Monday, May 14, 2007

حد الردة المزعوم - أحمد صبحى منصور(4)ا

بين الشرعية الالهية والشرعية السياسية

فى هذا المقال نكمل موضوع الشرعية السياسية التى تحقق بالقوة فكرة معينة وتجعلها بالاستحقاق واقعا بغض النظر عن "الحق " أى العدل والقسط .
العدل هو جوهر الاسلام وكل الرسالات السماوية. وفى هذا المقال نضع للحق الالهى أو العدل الالهى أو الشرعية الأخلاقية مصطلح " الشرعية الالهية " مقابل " الشرعية البشرية السياسية ".
يؤكد رب العزة علي ان الهدف من ارسال الرسالات السماوية وانزال الكتب السماوية هو اقامة القسط أو العدل يقول الله تعالي (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط :الحديد25) هذه الآية هى الفيصل فى موضوعنا، ونبدأ بالقسم الأول منها وهو عن الشرعية الالهية ؛وهو أن الهدف من ارسال الرسل بالكتب السماوية هو أن يقوم الناس معا بتحقيق العدل. أى أن تحقيق العدل هو الهدف الأعظم لكل الرسالات السماوية ، وهذا ما ينبغي ان يكون .
ثلاث درجات للعدل فى الشرعية الالهية:
وهناك ثلاث درجات للعدل حسب التعامل مع الله تعالى ومع الناس ومع البيئة .
1 ـ العدل مع الله (في العقيدة وفي العبادة)بأن يكون الإيمان والتقديس لله تعالى خالصا لا اله الا هو لا شريك له ،وما عداه من مخلوقات لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ولا تستحق التقديس والعبادة، وانه ليس لله تعالي ولد ولا والد ولا زوجة. واذا لم يتحقق العدل في التعامل مع الله اصبح ظلما لله تعالى، ومن هنا يوصف الاشراك بالله بأنه ظلم عظيم (لقمان 13) والبشر يختلفون فيي هذه القضية ،ومرجع الحكم فيها لله تعالى وحده يوم القيامة .
2 ـ اما العدل مع البشر فيكون بالتعامل العادل مع الناس جميعا ،سواء كانوا من الاقارب والاحباب أم من الخصوم والاعداء (النساء 135،المائدة 8) بل يأتي التركيز علي مراعاة العدل مع الخصوم في العقيدة أي من نعتبرهم كفارا مشركين ، فطالما لم يعتدوا علينا فلابد من مراعاة العدل والبر معهم ( الممتحنة 8) ثم هناك العدل في التعامل التجاري ( البقرة 282،الأنعام 152)والعدل في التقاضي والحكم بين الناس ( النساء 58 ، الشورى 15)والعدل في الشهادة ( الطلاق 2) والعدل في الاحتكام الدولي ( الحجرات 9،الممتحنة 8) والعدل في داخل الأسرة وفي التعامل مع اليتيم ( النساء 3،127)بل العدل في الخصم الذي يعتدي علي دولة المسلمين ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم : البقرة 194 ).
3 ـ اما العدل مع البيئة فهو باب جديد عرفته البشرية فى عصرنا الراهن ولكن أشار اليه القرآن الكريم من قبل . والمصطلح القرآني يعبر عنه (بالميزان ) التي تعني بثقافتنا المعاصرة (التوازن الطبيعي في الكون والبيئة ).
(الميزان) هو اساس خلق الكون وهو اساس الرسالات السماوية، وهو ايضا اساس الحساب يوم القيامة .والله تعالي يربط بين خلق السماوات والارض وفق توازن دقيق (الميزان ) وبين وجوب ان يعيش البشر مع بعضهم بميزان دقيق عادل يقول الله تعالى ( والسماء رفعها ووضع الميزان ،الا تطغوا في الميزان ،واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان :الرحمن 7:9)وتدبر هذه الآيات يحتاج مجلدات من بحوث العلماء المتخصصين .
ان الميزان الالهي تجده في خلق المادة في اوزان العناصر والذرات والمعادلات الكيميائية ،بنفس ما تجده في حسابات الفلك وحركات الكواكب والنجوم ،وعن طريق الحسابات الرياضية توصل اينشتين الي نظرية النسبية قبل ان تتحقق علميا بالتفجير ،وعن طريق الحسابات يتوصل علماء الفلك الى اكتشاف بعض الكواكب ،والله تعالى يشير الي منازل القمر وصلة ذلك بالحساب الفلكي (وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب :يونس 25)ويقول عن التقويم القمري والتقويم الشمسي (وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا :الانعام 96)ويقول عن الميزان المحسوب في المواد (وانبتنا فيها من كل شئ موزون )(وان من شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم :الحجر 19،21).
وهذا الميزان الدقيق في الكائنات الحية وغير الحية يستلزم عدم المساس به حتى لا يفسد النظام داخل الذرة والعناصر والخلايا والغلاف الجوي .ومن اجل ذلك فان الله تعالى خالق هذا الكون المتوازن ينزل ايضا كتابا سماويا يكون المرجع او الميزان الذي يهتدي به البشر في تعاملهم مع بعض حتى لا يتحول الظلم الى فساد وتخريب للبيئة (راجع ما يحدث في الحروب والجرائم من تخريب )يقول تعالى عن ارسال الرسل ( لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط :الحديد25)وهي نفس الاية التي سبق ان استشهدنا بها وفيها وصف الكتاب السماوى الذى جاء به كل رسول ونبى بأنه "الميزان". فهداية البشر تتحقق باحتكامهم الى ذلك الميزان المكتوب " أى الكتاب السماوى"الذى هو ميزان العدل في التعامل مع الله تعالي والبيئة و البشر. والقرآن الكريم هو خاتم الكتب السماوية وهو المحفوظ الى قيام الساعة، ونزوله فى آخر الزمان البشرى دليل على قرب قيام الساعة ووصول البشرية تمام حضارتها. لذا فان القرآن هو الميزان الخاتم للبشرية فى تطورها الأخير قبل نهاية العالم . نفهم هذا من قوله تعالى لخاتم النبيين عليهم جميعا السلام: (الله الذي انزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب : الشورى 17)
فالقرآن آخر كتاب سماوى نزل ميزانا للعدل بين الناس ،ولأنه آخر كتاب سماوي فإنه يعد دليلا علي قرب قيام الساعة ،وفيها يتم حساب البشر بنفس الحساب الدقيق ،بالعدل المطلق طبقا للكتاب السماوي في كفة ولكتاب اعمال البشر الفردي والجماعي في الكفة الاخرى (الانبياء 47،الاعراف 9)..هذا في الاخرة .
أما في الدنيا فان البشر ايضا يلقون جزاء اعمالهم ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا، اذ لابد للظالم في الدنيا من عذاب دنيوي قبل الاخرة (آل عمران 56 ،السجدة21،التوبة85،55)وفي المقابل فان الصالحين لهم جزاء دنيوي قبل الآخرة .(النحل 30،41 ،الزمر 10).
الا ان الفساد والظلم فىتعامل البشر يؤدي الي الفساد في البيئة اوما نعرفه الآن بالتلوث، فواضح ارتباط الفساد الخلقى والسياسى بانتشار التلوث . جرائم السرقة والحروب والاستغلال السىء للموارد والتلاعب بها ـ كلها تؤثر فى المناخ وتزيده تلوثا. ثقب الأوزون هو احدث صرخة احتجاج من الطبيعة جعلت البشرية تتسارع الى عقد قمة الأرض لعلاج هذه الأم الرءوم مما فعله به أبناؤها فى البر والبحر والفضاء. ومن عجب ان يشير القرآن منذ الف واربعمائة عام الى مسئولية الفساد البشرى ـ أو الظلم البشرى ـ عن افساد البيئة وتلوثها ،يقول تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون:الروم 41). أى أن انتهاك الميزان الالهى فى العقيدة والأخلاق ـ وهى الشريعة الالهية الأخلاقية ـ أنتج خرقا فى الميزان الطبيعى وأحدث تلوثا وفسادا للمناخ والبر والبحر والجو والمادة الحية والمادة الجامدة.
وقد تنبه حكماء العالم اليوم الي ان حماية الارض من التلوث يستلزم اقامة العدل علي المستوي العالمي والمستوى الاقليمي والمستوى المحلي داخل كل بلد، وهذا ما تمخض عنه تفكير البشر الراقي مؤخرا من أن سلامة الأرض والبيئة مرتبط بتحقيق العدل بين الناس منعا للحروب والقلاقل والثورات والجهل والجرائم، وهو محاولة للوصول الي ما ينبغي ان يكون ،والذي اشارت اليه الاية الكريمة والتي تجعل تحقيق العدل هو الهدف الاساسي من ارسال الكتب السماوية وارسال الرسل والانبياء (ليقوم الناس بالقسط) أي ليتعاونوا فيما بينهم في تحقيق العدل .
الانسان وحده فى هذه الأرض هو الذى حمل أمانة التكليف والمسئولية ( الأحزاب 72). التكليف يعنى انزال الكتب السماوية بالأوامر والنواهى للرقى بالانسان ، وحرية الانسان فى الطاعة أو المعصية ، فى الايمان أو الكفر ، فى تقديس كلام الله تعالى أو فى الكذب على الله تعالى وتزييف شرعه والاغتراء على رسله وكتبه. والميزان الالهى كما عرفنا نوعان : ميزان مكتوب ،هو فى الكتب السماوية ـ وخاتمها هوالقرآن الكريم ـ وميزان منشور وهو فى الكون المحيط بنا وفى داخلنا، يبدأ بالذرة والخلية الحية ولا ينتهى بالمجرات وما وراءها من مادة وطاقة. هذا الكون الهائل لا عقل له ، قد خلقه الله تعالى على أساس الطاعة فقط ، فلا يستطيع الاليكترون أو القمر أو الشمس أو أى كوكب أونجم أن يخرج عن المدار المحدد له سلفا. كل ما فى الكون قد سخره الله تعالى للانسان ،( الجاثية 13 ) للانسان مطلق الحرية فيما يفعل بنفسه أو بغيره ، كما أن له مطلق الحرية فى طاعة ربه جل وعلا أو عصيانه. وفى مقابل هذه الحرية سيتعرض للحساب بعد أن يدمر الله تعالى هذا الكون ويأتى اليوم الآخر الذى " يفرض " الله تعالى الحساب على البشر فيما قدموه لأنفسهم فى اختبار الحياة الدنيا، وهل حافظوا على الميزان أم طغوا فيه .
الكون بكل ما فيه من طاقة ومادة وابداع لا يتمتع بالتكليف والحرية والمسئولية، ولكن الانسان ـ ذلك المخلوق الضئيل ـ يتمتع بالتكليف والحرية والمسئولية. ومن أسف فانه يستخدم حريته للاضرار بنفسه وبالبيئة التى تضمه ، وقبل هذا وذاك فى ظلم الخالق جل وعلا حين يتخذ آلهة معبودة من احجارالبيئة المسخرة له ، او من عناصر الطبيعة المخلوقة لأجله. هنا يتعاظم التناقض بين الشرعية الالهية وميزانها الحساس وبين الشرعية السياسية التى يقيم بها الانسان واقعا سياسيا على الأرض.
استحالة التطبيق الكامل للشرعية الالهية
الشرعية الدينية الالهية هى اقامة العدل البشري بنفس الميزان الدقيق الذي نراه في التوازن القائم في الكون الذى لا يملك القدرة على العصيان.ومن الطبيعي ان تحقيق هذه الدرجة من العدل مستحيل على البشر،لأننا بذلك نتحول الي ملائكة لا نخطئ ،ونتناسى ان النفس البشرية مخلوق علي اساس الفجور والتقوى فهى تقبل هذا وذاك ثم يأتي اختيار الانسان لأحدهما ،أن يكون فاجرا فيخسر أو ان يكون متقيا فيفلح (الشمس7،10)و نتناسي وجود الشيطان ومهمته الاساسية في اغواء البشر بكل وسيلة وتأكيد القرآن علي نجاح الشيطان في اغواء اكثر البشر (الاعراف 16،17 ،الاسراء 62،65)وتأكيد القرآن علي ان اغلبية البشر ضالة مضلة تتبع الهوى (الانعام 116) (وراجع كلمة اكثر في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم )ونتناسى اخيرا ان العدل المطلق وما ينبغي ان يكون ليس له مكان في الدنيا، والا ما كانت هناك الاخرة والحساب والثواب والعقاب .
ومن هنا فان امال الفلاسفة في المدينة الفاضلة تظل مجرد آمال واحلام لا يمكن تجسيدها بالكامل علي ارض الواقع ،ويصبح من الاجدى محاولة الاقتراب من تحقيق اكبر قدر متاح من العدل أو من الشرعية الدينية التي نزلت بها الرسالات السماوية .ومحاولة الاقتراب هذه تستلزم وعيا جماهيريا يدفع الناس للتعاون فيما بينهم في اقامة وتأسيس العدل ،وذلك معنى (ليقوم الناس بالقسط) أي ليتعاونوا في اقامة القسط ،وفق وعي مشترك بأهمية العدل للفرد وللجماعة معا . هذا التحقيق البشرى للعدل يستلزم قوة للتحقيق أو الاستحقاق.
هنا ندخل على الشرعية السياسية.
الشرعية السياسية للنضال من اجل العدل :
ومن الغريب ان الاية نفسها تشير الي الشرعية الدينية (ما ينبغي ان يكون وهو اقامة العدل الكامل )وذلك في مقدمتها ، ثم تشير فى بقيتها الي الشرعية السياسية ،أو محاولات البشر للوصول لهذا العدل بالقوة الحديدية ،عبر نضال يقوم علي السلاح أو الحديد ،والحديد ايضا منزل من السماء ( وتلك حقيقة علمية )كما نزلت الرسالات السماوية من السماء .
تقول الاية (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ،وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ، ان الله قوي عزيز )أي انه :إذا لم يتحقق العدل وفق الرسالات السماوية وميزانها فالسبيل هو الحديد ذو البأس الشديد . وحين يستخدم الحديد لتحقيق العدل او الوصول الي شرعية سياسية تحاول الاصلاح فأنه يكون نافعا للناس. ولأن الامر يتوقف علي ضمائر الثوار المجاهدين في سبيل العدل فان الله تعالي وحده هو الذي يعلم غيب قلوبهم ،اذا كانوا يريدون فعلا ان ينصروا الله ورسوله في تحقيق العدل بين الناس ام لا .واذا حدث العكس وسكنوا في مساكن الذين ظلموا انفسهم فإن الامر يستلزم ثورة جديدة ،وهكذا يستمر الجدل الانساني بالقلم والسلاح لتحقيق العدل في الشرعية السياسية التي تعبر عن حلم الإنسان المتكرر في تحقيق العدل أو الشرعية الدينية التي تعبر عما ينبغي ان يكون.ومن خضم هذا الصراع المتكرر قد يتسلط الظالم علي ظالم آخرحين لا يستطيع المظلومون الثورة على الظالم المحلى فيأتى ظالم خارجى أو مصلح خارجى يعصف بالظالم المحلى، وقد يثور المظلوم على الظالم اذا ضعف الظالم ووجد المظلوم أملا وعونا فى الثورة عليه ، وبكل هذه الصورتتهاوى باستمرار عروش الظلم حتى لا يتحكم الفساد في الارض الي الابد، وهذا معني قوله تعالي (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض:البقرة 251).
مشيئة الإنسان هي الأصل في الهداية و ارادة التغيير :
وقد قلنا ان العدل درجات، وان الدرجة العليا فيه هي في التعامل مع الله بمعنى الا نظلم الله تعالى في اتخاذ شريك له وهو وحده الخالق المسيطر الذي لا يشرك في حكمه احدا (الكهف 26)وهذا العدل يستلزم هداية الي الحق تقوم علي الفطرة السليمة .
وهذه الهداية تبدأ باختيار الإنسان ،فالانسان يفكر بعقله مهتديا بفطرته السليمة يحاول الوصول الي الحق بموضوعية ،وعلي اساس هذا الاختيار الانساني للهداية يرشده الله تعالي الي الهداية ،أي تأتي مشيئة الله للهداية تالية ومؤكدة لمشيئة الانسان واختياره طريق الهداية ،وفي ذلك يقول الله (تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى :مريم 76)ويقول(والذين اهتدوا زادهم هدي وآتاهم تقواهم :محمد 17)
وفي المقابل فأن الذي يختار الضلال تأتي مشيئة الله تؤكد علي الذي اختاره من ضلال (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا : مريم 75)(في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا :البقرة 10)
وفي الحالتين فان من يشاء الهداية من البشر يشاء الله هدايتة ،ومن يشاء من الناس الضلالة يشاء الله ضلالته ،يقول الله تعالي (فان الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات :فاطر 8)(قل ان الله يضل من يشاء ويهدي اليه من اناب :الرعد 27 ).
باختصار فان اقامة العدل مع الله تعالى ( أي الهداية )يتوقف علي مشيئة الفرد وارادته الحرة ؛هو الذي يقرر ويشاء الهداية وتأتي مشيئة الله لتؤكد علي هذا القرار ، وقد يستلزم هذا الاختيار جهادا ونضالا ،وتكون هداية الله و إرشاده قريبة من هذا الجهاد ،يقول تعالي ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين :العنكبوت69).
هنا المشيئة الفردية، أى أن كل فرد مسئول عن الهداية مسئولية شخصية ، وليس من مهام المجتمع أو الدولة هداية الفرد أو ادخاله الجنة وانقاذه من النار. الفرد هو المطالب وحده بالصلاة والخشوع فيها ، وهو وحده المطالب باخلاص الدين لله تعالى ، وعلاقته بربه علاقة مباشرة سواء عصى ربه أم أطاع وأناب. هو وحده الذى يملك القرار بأن ينهى نفسه عن الهوى أو أن يعبد هواه ( النازعات 37 ـ 41) ، هو وحده الذى يقرر أن يزكى نفسه ويسمو بها أو يهبط بها الى حضيض الرذيلة ( الشمس 7 ـ 10). وفى كل الأحوال فليس له الا سعيه ان خيرا وان شرا، ولا تزر وازرة وزر أخرى..
وايضا فان اقامة العدل مع الناس ومع البيئة تستلزم مشيئة الناس وارادتهم، الا أن الارادة هنا ليست مجرد ارادة فردية ولكن لا بد أن تكون ارادة جماعية، وهذا معنى قوله تعالى "ليقوم الناس بالقسط " أى كل الناس فى المجتمع من غنى وفقير وأمير وأجير وذكر وأنثى وكبار وصغار ومن كل الأعراق والملل والنحل والأديان. طبقا لثقافة المواطنة والمساواة والعدل بين كل الأفراد ـ كلهم مطالبون معا باقامة القسط فيما بينهم. هذه هى الارادة الجمعية لكل أفراد المجتمع وليس لفرد واحد.
لا بد للجميع من ارادة موحدة لتحقيق القسط ،وبقدر تكاتف الجماهير خلف الارادة الجماعية لتحقيق العدل يمكن النجاح في تحقيق العدل بأقل قدر ممكن من الخسائر .
ولكن السؤال الهام هنا كيف ينجح الناس علي حمل انفسهم علي المبادرة بالنهوض لتحقيق العدل ضد الظلم السائد ؟كيف يترك الناس القيم الاجتماعية الهابطة مثل الخنوع والسلبية والتواكل ليستبدلوها بقيم سامية هي الايجابية والحرية والشجاعة والحرية والتضحية والفداء وحب الحق والدفاع عن العدل؟
ان الاجابة هنا تكمن في التغيير،تغيير النفسية أو الذهنية ،وهذا التغيير يستلزم مشيئة حازمة قادرة فاعلة ،فان شاء الناس تغيير ما بأنفسهم من خنوع وخمول وتواكل وسلبية وقرنوا المشيئة بالعمل نجحوا ..وهنا تأتي مشيئة الله تالية لمشيئة الناس وهذا معني قوله تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم :الرعد 11)أي هي نفس القاعدة ان اقامة العدل مع الله تستلزم اختيار الانسان للهداية ثم تأتي ارادة الله لتؤكد هذا الاختيار الانساني ،واقامة العدل بين الناس ومع البيئة تستلزم تغييرا في الذهنية يقوم علي اختيار انساني حازم ،وتأتي مشيئة الله مؤكدة وتالية لهذا الاختيار البشرى ..
وعليه فأن حركة الانسان نحو تحقيق العدل هي اختيار بشري يؤكده اختيار الله تعالي ومشيئته ...وهذه الحركة تتم في اطار الشرعية السياسية التي قد تهدف أحياناالي الوصول والاقتراب من الشرعية الدينية الالهية التي هي ما ينبغي ان يكون .
شرعية الحاكم أو شرعية الثورة عليه مرتبطة بإرادة الناس:
فماذا اذا اختار الناس السلبية والخنوع والرضى بظلم الحاكم ؟هنا ايضا تكون الشرعية السياسية في ادنى صورها .فطالما ارتضى الناس الخضوع لحاكم ظالم فهذا هو اختيارهم وتأتي مشيئة الله لتؤكد علي هذا الاختيار الذي لا يرضاه الله تعالي .
ان الله تعالي لا يرضي ان يكفر به عباده (ان تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضي لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم :الزمر 7)ولكن يشاء للكافرين ضلالهم طالما ارتضوا لانفسهم الضلال (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء:المدثر 31).
والله تعالي لا يريد الظلم في الارض (وما الله يريد ظلما للعالمين :آل عمران 108)(وما الله يريد ظلما للعباد :غافر31)ولكن طالما رضي الناس تحمل الظلم واعترفوا بشرعية الظالم ملكا عليهم فان الله تعالي يعترف به حاكما عليهم .
ومن هنا ارسل الله تعالي موسي وهارون رسولين الي فرعون اعتى الظالمين ظلما ،و اوصاهما بأن يقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشي (طه 44) ووصف الله تعالي بعض الحكام بأنهم ملوك ،ومنهم ذلك الملك الذي ادعي الالوهية ودخل ابراهيم عليه السلام في جدال معه (الم ترالي الذي حاج ابراهيم في ربه أن اتاه الله الملك ،اذ قال ابراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال انا احيي واميت ..)الي ان يقول تعالي عن ذلك الملك (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين :البقرة 258).
فنحن هنا أمام مدعي للالوهية يصفه الله تعالي بالكفر والظلم .ولكنه يصفه ايضا (انه اتاه الله الملك)وقد اعطاه الله الملك لأن الشعب رضي به واختاره ،فجاءت مشيئة الله تالية لاختيار الناس.
ان هذه الحياة الدنيا قائمة علي اساس الاختيار (حرية الاختيار بين الايمان او الكفر ،بين الرضي بالقهر او الثورة عليه )وتأتي مشيئة الله لتؤكد علي ما يختاره الفرد والناس ،وهنا يكمن الاختبار في ذلك الاختيار .ثم يأتي يوم الحساب ليلقي كل إنسان نتيجة عمله حسب الشريعة الدينية الالهية ،وحيث يتحقق فعلا ما ينبغي ان يكون .
الفارق بين الشرعية الإلهية الدينية والشرعية السياسية البشرية :
ونخلص من ذلك ان الشرعية الإلهية الدينية الأخلاقية (ما ينبغي ان يكون)أمل عزيز المنال لا يمكن تطبيقه بالكامل او تحقيقه مائة فى المائة في هذه الدنيا ،اما الشرعية السياسية فهي في احسن حالاتها محاولة الوصول الي اقرب تطبيق للشرعية الالهية الدينية ،وهي في اسوأ حالاتها الرضي بالظلم والقهر والتعايش معه وممارسته .
وانه في اطار هذه الشرعية السياسية العملية تأتي مشيئة الله تؤكد ما اختاره الناس ايجابا او سلبا ،في الهداية او في الضلال ، هذا في الحياة الدنيا ،اما في الاخرة فتأتي الشرعية الالهية الدينية لتطبيق يوم الدين أي اليوم الذي يطبق فيه دين الله تعالي بأقصى تمام العدل حيث يقول الله تعالي (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم :غافر 17).
الشرعية السياسية البشرية وانواع التدين البشري:العلمانية والدولة الدينية
قلنا ان الشرعية الدينية الالهية هي الرسالات السماوية التي تهدف للعدل مع الله وبين الناس ومع البيئة وفق ما ينبغي ان يكون .اما ما هو كائن وواقع فعلا فهوالشرعية السياسية البشرية، أو هو التطبيق البشري للعدل في التعامل مع الله ومع الناس ومع البيئة ،سواء كان هذا التطبيق يحاول الوصول الي للعدل ام منافيا له ،أي سواء كان ظلما لله تعالي والعالمين والبيئةأو محاولة للحد من هذا الظلم وتحجيمه .والشرعية البشرية معترف بها كواقع طالما كان يعبر عن رضى الناس ،فىالخنوع للظلم وعدم الثورة عليه، فاذا ثار الناس ونجحت الثورة ونجحت فى ابادة النظان القديم واسست لها واقعا مسيطرا رضى به الناس نالت الشرعية السياسية برضى الناس عنها وتقبلهم لها .
سهولة الفصل بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية في الدولة العلمانية:
ويظل الأمر سهلا طالما يمكن الفصل بين الرسالات السماوية (الشرعية الالهية الدينية وما يجب ان يكون )وبين التطبيق البشري سواء كان أو مع ضد الرسالة السماوية كما هو في النظم السياسية العلمانية التي تفصل بين الدين والسياسة .
ففي احسن صور العلمانية يتم تحقيق قدر اكبر من الليبرالية والديمقراطية وحقوق الانسان بعيدا عن الرسالات السماوية واعتمادا علي العقل والوعي البشري ووفقا للمنفعة المشتركة . وفي اسوأ صور العلمانية ايضا وتحت شعارات شتى من الوطنية والقومية والبروليتاريا تسود الديكتاتورية والفساد وتضيع حقوق الانسان ،وتجارب الدول الشيوعية والديكتاتورية العسكرية خير شاهد علي ذلك .
وفي كل الاحوال لا يحتاج الحاكم العسكري او الشيوعي كما لا يحتاج الحاكم المنتخب ديمقراطيا الي تبريرات او تفسيرات دينية .
وفي كل الاحوال فان رضى الشعب او ثورته تتم كلها في اطار شرعية سياسية لا تختفي خلف شعارات دينية تخلط الدين بالسياسة وتتلاعب بهما معا.
صعوبة الفصل بينهما في الدولة الدينية التي تسعى الي تحوير الرسالةالالهيه لتلائم سياستها :
ولكن يصبح الأمر معقدا اذا تمسحت الشرعية السياسية بالدين وحاولت تطويع الرسالة السماوية لتناسب الواقع الاجتماعي والسياسي مع النظام السائد أو ضد النظام السائد .وهذا التطويع يأتي عبر التحريف للرسالة السماوية و اضافة مصادر بشرية ونسبتها الي صحيح الدين، وبذلك يتحول الدين الإلهي في صوره البشرية الي نوعيات مختلفة من التدين ،لكل تدين اسفاره المقدسة وائمته المقدسون، ولكل تدين ظروفه السياسية التي ادت الي نشأته وساهمت في تطوره ...ينطبق هذا علي تاريخ اليهودية والمسيحية وتاريخ أوروبا في العصور الوسطي قبل ان تختار العلمانية .
وينطبق ايضا على تاريخ المسلمين .
باختصار فان علي البشر ان يطوعوا طريقة حياتهم لتتفق مع العدل الذى نصت عليه النصوص السماوية وتعبر عنها بأقصي ما يمكن ..ولكن حين يستخدم الدين في السياسية يحدث العكس ،وهو تطويع الرسالة السماوية لتتفق مع اهواء البشر ، ويتم هذا التطويع عبر الاضافة والحذف من والي الرسالة السماوية ونسبة الكلام البشرى الي الوحي الالهي عبر احاديث نبوية قدسية او تفسيرات وتأويلات مقدسة .
باختصاراكثر لابد ان تخضع الشرعية السياسية الي الشرعية الدينية الالهية ولكن يحدث العكس حين تتمسح الشرعية السياسية في الحكم او الساعية للحكم بالشريعة الالهية الدينية فتخضعها لمتطلباتها . وهذا هو موجز التاريخ الديني للبشر ،أو تاريخ التدين البشري وعلاقته بالرسالات السماوية حتي خاتم الرسالات وخاتم الانبياء محمد عليه وعليهم السلام .
وللحديث بقية بعون الله تعالى .
الاستحقاق السياسى فى تاريخ المسلمين
تاريخ المسلمين بين الشرعية الالهية والشرعية السياسية

1 ـ بايجاز شديد :العدل هو الشرعية الالهية وما ينبغى أن يكون . العدل هو جوهر الاسلام. تطبيق المسلمين للعدل كأن فى أروع مظاهره وقت نزول القرآن فقد كان الوحى القرآنى يصلح ويقوّم مسيرة النبى والمسلمين. بدأت الفجوة بعد موت النبى محمد فى عصر الخلفاء الراشدين بالفتوحات والفتنة الكبرى ، وتعاظمت بالظلم وقهر الشعوب غير العربية فى الامبراطورية الأموية الفاتحة . ثم تم صبغ هذا الظلم بصبغة دينية مزيفة بالأحاديث والتفاسير والتأويل فى العصر العباسى ، حيث أدت الفجوة بين الاسلام والمسلمين الى انشاء أنواع مختلفة من التدين أهمها السنة والتشيع والتصوف ، كل منها ينتسب للاسلام ويخالفه فى نفس الوقت . هذه الدول الأموية والعباسية والفاطمية والطولونية والاخشيدية والعثمانية .. الخ ..كلها قامت بالقهر والظلم ولكنها بالاستحقاق ومنطق القوة ـ كانت ولا تزال ـ شرعية سياسية لا بد أن نعترف بها تاريخيا ، كما اعترف بالتبعية لها ملايين البشر الذين عاشوا فى كنفها.
2 ـ على المستوى السياسى الواقعى وبعيدا عن العدل والأخلاق وما ينبغى أن يكون وبمقياس القوة وحدها ـ أى بالشرعية السياسيةأو الاستحقاق ـ فان الأقوى هو الذى فرض شروطه وأقام واقعا سياسيا . ثم تعدى الأمر الى استئجار فقهاء يقيمون له تبريرا دينيا و أخلاقيا بأحاديث وفتاوى، مالبث ان نشأ عنها نوعيات من التدين والطوائف والفرق الاسلامية.
زاد فى الأمر سوءا أن المستضعفين أيضا دخلوا فى ميدان التدين عن طريق فقهاء ينتمون للعوام أوالدعاة الثائرين والمحتجين على النظم القائمة بالقوة واستحقاق الطاعة بالقهر والعنف. أولئك الفقهاء أيضا كانت لهم آراؤهم التى حملتها أحاديث منسوبة للنبى محمد وفتاوى منسوبة لأصحابه وكبار العلماء من الصحابة والتابعين قبل عصر التدوين. تكون التراث "الاسلامى" من مزيج من كل هؤلاء الفقهاء على اختلافاتهم المذهبية والسياسية
3 ـ تاريخ المسلمين هو أبرز ملامح العصور الوسطى المشهورة بتعصبها وتزمتها.
لولا الوهابية كان يمكن أن يظل تاريخنا فى العصور الوسطى مجرد تاريخ مضى ندرسه لمجرد العلم وليس التطبيق بأثر رجعى ، وكان يمكن أن يظل تراثنا العباسى والفاطمى مجرد تراث انتهت فترة صلاحيته ولم يعد صالحا للاستهلاك الآدمى فى عصر الحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة وحقوق الانسان .
كانت مصر فى مطلع القرن التاسع عشر رائدة التحديث واليقظة ، تتأهب للأخذ عن الغرب واللحاق به فى نهضته ، وكانت اليابان تتبع خطى مصر فى هذا التحول من العصور الوسطى الى العصور الحديثة. ولكن أصيبت مصر والعالم العربى والاسلامى بالوباء الوهابى.
الوهابية هى أشد أنواع ثقافة العصور الوسطى تعصبا وتزمتا وتخلفا . وتتعاظم المصيبة حين نمارس هذه الثقافة فى عصرنا الراهن باسم الاسلام ، وحين نضع أئمتها من الفقهاء القدامى والمحدثين فى موضع التقديس والتأليه، بحيث يصبح نقد أفكارهم خروجا على الاسلام.
هذا ما جنته الدولة السعودية على الاسلام والمسلمين. أرجعت ظلم العصور الوسطى من استبداد وفساد وتخلف وتعصب الى عقلية المسلمين باسم الاسلام وهى تناقض الاسلام على طول الخط ، فاكتوى بها العالم كله ـ ولا يزال.
ولكن الدولة السعودية بمنطق القوة والاستحقاق هى دولة شرعية ، وستظل دولة شرعية طالما كانت الاسرة السعودية تتحكم فى مقاليد الأمور، فاذا قامت ثورة أسقطت الحكم السعودى وتحكمت بالقوة فى مقاليد الدولة الجديدة فلا بد للعالم أن يعترف بها ، فقد استحقت الشرعية السياسية. هذا بغض النظر عما اذا كانت الدولة الجديدة ستطبق العدل أم لا.
ونعطى عرضا سريعا لتاريخ المسلمين بين شرعية العدل الالهى والاستحقاق القائم على القوة، أو الشرعية السياسية.
[1]في عهد النبوة :دور الوحي في توجيه حركة النبي لتطابق حركته البشرية المشروعية الالهية :
نزلت الرسالة السماوية الاخيرة قرآنا محفوظا من التحريف والتغيير في نصه ولفظه ليكون حجة علي البشر حتي قيام الساعة .وفي القرآن جانب هام يعزف المسلمون عن التدبر به لأنه يخالف نوعيات التدين السائدة عندهم ،وهو العتاب واللوم الذي كان يوجهه الله تعالي الي الانبياء خصوصا خاتم النبيين عليهم السلام ،اذ ان نوعيات التدين لدى المسلمين تؤلّه الانبياء فضلا عن غيرهم من الصحابة والائمة والاولياء. والتدبر في هذا الجانب يهز ذلك الاعتقاد عند المسلمين .
ويهمنا ان القرآن يؤكد علي بشرية الأنبياء ،ويؤكد علي ان عصمة النبي محمد تكون بالتوجيه الالهي الذي يتابع النبي بالتصحيح ،وفي ذلك يقول تعالي لخاتم النبيين ( قل ان ضللت فانما اضل على نفسي وان اهتديت فبما يوحي الي ربي :سبأ50)(ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك ،و ارسلناك للناس رسولا :النساء 79 )
وتصرفات النبي محمد منها ما كان مستوجبا للعتاب واللوم ، ومنها ما كان مستوجبا للمدح والإشادة .مدحه الله تعالي ومدح المؤمنين حين بايعوا تحت الشجرة (الفتح 18)حين جاهد وجاهدوا معه بأموالهم و انفسهم (التوبة88:89:92).
وعاتبه برفق حين سمح للمنافقين بالقعود عن القتال (التوبة 43)وعاتبه بقسوة قائلا (وتخشى الناس والله احق ان تخشاه :الاحزاب 37)في موضوع زواجه من مطلقة زيد بن حارثة الذي كان يتبناه .وفي حركته في الدعوة عاتبه كثيرا بسبب حماسه الزائد الذي كان يقترب من الاكراه في الدين فيقول له ربه(ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا، افأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين :يونس 99)وأكد علي ان يترفق بنفسه فلا يحزن علي عناد قومه (الكهف 6 فاطر 8، هود 12 ، النحل127،الحجر 97 ،آل عمران 176 ،المائدة 41،الانعام 33).
وفي حركته بالدعوة عاتبه الله حين كان يتقرب من المشركين اصحاب السطوة املا في هدايتهم ،وقد يطرد المؤمنين الفقراء ليستجيب الي هؤلاء الاغنياء (عبس 1-،طه 28-،الانعام 52:54).
وفي كل هذه التصرفات التي استلزمت المدح او العتاب واللوم كان النبي محمد يناضل بجهده البشرى لتغيير الواقع الذى يتحكم فيه ـ بالاستحقاق ـ اصحاب السلطان والهوى والذين لايريدون تغيير المناخ الذي يقوم عليه تراثهم وسلطانهم. وتحول رفض المشركين القرشيين الي اضطهاد للنبى محمد والمؤمنين ثم الي هجرة، ثم الي قيام واقع جديد تمثل في دولة للرسول تخالف المألوف في العالم سياسيا واجتماعيا ودينيا .
ملامح دولة النبي :افضل تطبيق بشري (شرعية سياسية بشريه)للرسالة السماوية (الشرعية الالهية ):

هي دولة تقوم علي الديمقراطية المباشرة أو الشورى الاسلامية القرآنية حيث يستمد الحاكم النبي سلطته من الناس ويأمره ربه ان لا يكون فظا غليظ القلب والا انفضوا عنه ،واذا انفضوا عنه فلن تكون له دولة ،لذا امره ان يعفو عنهم وان يستغفر لهم وان يشاورهم في الامر (آل عمران 159 )وهي دولة تقوم علي السلام ،والقتال فيها لرد العدوان بمثله دون اعتداء أو استيلاء علي ارض الغير بدون وجه حق (البقرة 190،194)والمشركون الخصوم طالما لا يعتدون أو يتحالفوا مع المعتدين فالواجب معاملتهم بالبر والعدل (الممتحنة 9)فاذا اعتدوا وانهزموا وجب علي المعتدي المهزوم دفع غرامة حربية هي الجزية جزاء اعتدائه (التوبة 29)وحرية العقيدة في دولة النبي متاحة بالقول والفعل بدون حد اقصي حيث ان الهداية مسئولية شخصية فمن اهتدي فلنفسه ومن ضل فعليها (الاسراء 15)وحيث يمارس المنافقون حريتهم في القول والفعل أينما شاءوا ،وينزل القرآن يحكم بكفرهم ولكن يأمر النبي والمسلمين بالاعراض عنهم(النساء 60:63)(التوبة 60:68،79:84،94:96).
وهي دولة العدل الاجتماعي الذي يقوم علي حقوق اساسية للمحتاجين،وينزل القرآن يلوم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل (النساء 36:39،محمد 3)و هي دولة ليس فيها حاكم بالمعني المألوف حتي في النظم الديمقراطية النيابية الحديثة لأنها دولة يحكمها أصحابها ،بل ان اولي الامر المشار اليهم في القرآن هم اصحاب الخبرة ، ومصطلح الحكم في القرأن لا يعني الحكم السياسي ، وانما يعني الحكم القضائي بين الناس (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل : النساء 58)ووظيفة الدولة هي اقامة العدل وتوفير الامن .
ولأنها دولة الديمقراطية المباشرة فان الخطاب فيها يتوجه الي جماعة المسلمين لا الي الحاكم ،فجماعة المسلمين هي التي تقيم الشوري (وأمرهم شوري بينهم:الشوري 38)وهي التي تحكم بالعدل (النساء 58) وهي التي تعد القوة العسكرية لا للاعتداء وانما للردع وحقن الدماء (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم :الانفال 60).
وهي دولة الديمقراطية المباشرة التي لاتعرف الحاكم الفرد او الحاكم الذي يمثل مصالح طبقية أو فئوية ،ولأنها كذلك فان النبي محمد مات دون ان يعهد بالحكم لأحد من بعده ،لأن لدى المسلمين آليات للحكم الديمقراطي المباشر ..هذا بالطبع ان التزموا بسنته الحقيقية وهى الشرع القرآنى فى السياسة والحكم ، المشار اليها فى السطور السابقة.
ولكن ذلك لم يحدث .
ومن هنا بدأت الفجوة بين اكمل شرعية بشرية سياسية ـ تقترب من العدل الأسمى للشرعية الدينية ـ وبين شرعية الخلفاء الراشدين التالية لها.
وكلما مر الزمن ازدادت الفجوة اتساعا .
في عهد الخلفاء الراشدين (11-40هـ (632-661م):
لأن الخلفاء الاربعة كانوا ـ كأشخاص ـ اقل شرا ممن جاء بعدهم من الخلفاء الأمويين والعباسيين فقد اطلق عليهم لقب الخلفاء الراشدين تمييزا لهم عن الخلفاء الاخرين (غير الراشدين )حيث الاستبداد والفساد ،وحين ظهر عمر بن عبد العزيز ظاهرة نادرة في العصر الاموي الحقوه بالراشدين مع مرور حوالي نصف قرن بينه وبينهم .
بداية الفجوة بين تاريخ النبوة وتاريخ المسلمين :
احتوى عصر الخلفاء الراشدين على البذور الجنينية لكل التطور الهائل التي اتسعت به الفجوة بين تاريخ النبوة وتاريخ المسلمين ،ويرجع ذلك الي الاعراب البدو والامويين القرشيين ،وكلا الفريقين دخل الاسلام قبيل وفاة النبي ،ولازالوا بالمسلمين حتي حولوا تاريخهم الي النمط السائدفي العصور الوسطى ، وهي عصور الاحتراف الديني والتعصب الديني والحروب الدينية .
الاعراب الذين احترفوا الاغارة علي القوافل ما لبث ان انضموا الي دولة النبي ،وهددوا القوافل القريشية في رحلتي الشتاء والصيف ،فرأى بنو امية ان مصلحتهم التي كانت تحتم عليهم محاربة المسلمين تستوجب عليهم الآن الدخول في الاسلام ،وهكذا كان فتح مكه سلميا بعد فترة الهدنة .و قبيل موت النبي حكمت قريش نفسها بنفسها وكذلك الاعراب .وكانت الزكاة تؤخذ منهم لتوزع فيهم دون قسر او اكراه .لأن تشريع الزكاة يمنع اخذ الزكاة عنوة ،بل ان الله تعالي منع النبى من اخذ الصدقات من المنافقين لأنهم كانوا يقدمونها عن غير طيب خاطر (التوبة 54)
والتغيرالجديد الذي نعم به الاعراب هو المساواة والعدل بلا تفوق للقرشيين كالذي كان ،وذلك طبقا للقاعدة القرآنية ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم :الحجرات 13).
حركة الردة :
وبمرض النبي ثم وفاته ارادت قبائل الاعراب ان تؤكد وضعها في مرحلة ما بعد النبي ،ولأنها فهمت النبوة امتيازا قرشيا فقد تحولت معارضتها السياسية الي تدين جديد ،اقترنت فيه حرب الردة السياسية بادعاء النبوة ،كان اخطرها في نجد حين ظهرت حركة مسيلمة الكذاب في وادي حنيفة (مقر الدعوة الوهابية فيمابعد)وحركة طلحة الاسدي من قبائل اسد وطئ .وليس صحيحا ان ابا بكر هو الذي حارب المرتدين بل الصحيح ان المرتدين هم الذين حاربوا ابابكر ،وهاجموا المدينة فاضطر الي حربهم[1] وادت حركة الردة الي تطورات داخلية وعالمية لاحقة داخل المسلمين وخارجهم .
اثر حركة الردة والفتوحات :

فالتهديد الذي واجهه المسلمون في حركة الردة اوقع المسلمين تحت خطر الاستئصال ،وبالتالي كانوا في وضع استثنائي يستوجب احكاما عرفية ،فكان سهلا تعيين قائد حربي ثم بيعته بالقتال مثل ما تم سابقا من مبايعة المسلمين للنبى تحت الشجرة ،وفي هذه الظروف الاستثنائية جرت بيعة السقيفة ،وفيها تكتل القرشيون وتم تهميش الانصار ،وتم نفي زعيمهم سعد بن معاذ وقتله فيما بعد[2] وتم استرضاء الامويين ليوافقوا علي بيعة ابو بكر دون علي وهو الأقرب لديهم ،وذلك بتعيين يزيد بن ابي سفيان قائدا في حروب الردة .
واستطاعت قريش اخماد حركة الردة ،و حتي لا يعود الاعراب الي الردة ثانية وحياتهم تقوم علي السلب والنهب والتقاتل فقد قامت قريش بتصدير شوكة الاعراب الحربية الي خارج الجزيرة العربية في الفتوحات حيث كان القادة من الامويين والقرشين وكان الجند من الاعراب المرتدين سابقا .واستمرت الظروف الاستثنائية الحربية، ومات ابو بكر ،فتم اختيار عمر بنفس ظروف البيعة ،و اثناء استمرار الفتوحات تم اغتيال عمر فتم اختيار عثمان بنفس البيعة .وبذلك عرف المسلمون تطورين خطيرين وهما :
الاول :تعيين حاكم مستمر طيلة العمر تحيط به دائرة مستشارين عرفوا فيما بعد بأهل الحل والعقد .
والثاني تحول الجهاد من القتال الدفاعي وفق مشروعية الاسلام الاصلية الي توسيع حربي في البلاد المجاورة ،وتخييرها –او بالاصح -ارغامها علي قبول واحد من ثلاث :الاسلام أو دفع الجزية أو الحرب .وبالتالي ضاعت القاعدة الاساسية القرآنية (لا اكراه في الدين )(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين :البقرة 256/190) وبعد ان كانت البيعة تعني مبايعة القائد علي القتال دفاعا عن النفس اصبحت تعني المبايعة بالطاعة لحاكم يظل يحكم مستبدا طول العمر .
وهذا التغيير مبعثه كبار قريش واعراب نجد والجزيرة العربية .
وبعد توقف الفتوحات في عهد عثمان بدأت القلاقل بين الاعراب والامويين القرشيين المتحكمين في عثمان وخلافته .واشتعل الخلاف بين الفريقين حول ارض السواد الواقعة علي حدود نجد والعراق حيث اعتاد الاعراب الاغارة علي البلاد الزراعية السوداء علي حافة الصحراء شمال نجد .ولم يكتف نبلاء قريش (من الامويين الذين يتحكمون في الخلافة ويحكمون الشام )بما يحصلون عليه من اموال ونفوذ فطمعوا في ارض السواد الذي يعتبره الاعراب ملكا تقليديا لهم في الجاهلية ثم فتحوه بسيوفهم بعد الاسلام .
تطور النزاع وتدخل فيه عبدالله ابن سبا الذي رفع شعار التشيع لعلي ابن ابي طالب .وكعب الاحبار الذي يوالي عثمان والاموييين ،وكلاهما (عبد الله بن سبأ وكعب الاحبار )من يهود اليمن [3] وانتهي بأن حاصر الاعراب عثمان ثم قتلوه وعينوا عليا مكانه .وتطورت الحرب بين علي واصحابه القدامى (الزبير وطلحةبن عبيد الله )في موقعة الجمل ،ثم بين علي وخصومه الامويين في موقعة صفين .وادى التحكيم الي القرآن الي اختلاف بين علي وبعض الإعراب من جنده الذين قتلوا عثمان من قبل ،فخرجوا على علي.
وبهذا تحول الاعراب من مسلمين في عهد النبي الي مرتدين ثم مسلمين للمرة الثانية ،ثم الي فاتحين فى عصر أبى بكر وعمر، ثم الي ثوريين علي عثمان ،ثم الي خارجين علي عليّ بن أبى طالب . كل ذلك التقلب حدث فيما بين موت النبي (11هـ،سنة 632م )الي مقتل علي علي ايديهم (40هـ،661)أي خلال اقل من ثلاثين عاما .واصطبغت حركتهم بالعنف المرتبط بتفسير ديني ،يسري هذا علي قبولهم المتحمس للاسلام في عهد النبي ،ثم خروجهم عليه في حركة الردة تحت زعامة مدعي النبوة ،ثم انغماسهم في الفتوحات علي انها جهاد يغنمون منه النصر والشهادة والغنائم في الدنيا و الاخرة ،ثم حين ثاروا علي عثمان رفعوا لواء العدل ،وحين رفع الامويين المصاحف علي اسنة الرماح في موقعة صفين خداعا ارغموا عليا علي الموافقة علي التحكيم لكتاب الله ،ثم حين ظهر ان التحكيم خدعة خرجوا علي علي لأنه وافق علي التحكيم واتهموه بالكفر ثم قتلوه .
وخلال نفس المدة تقلب الامويون في مواقع شتي حسب مصلحتهم وسعيهم الدائم للاستحقاق أو امتلاك القوة والاحتفاظ بها ،كانوا أعداء للاسلام في مكة، ثم دخلوا فيه فكانوا قادة حربيين بما لهم من مقدرة حربية وتحالفات قديمة منذ رحلتى الشتاء والصيف مع قبائل كلب الى تسيطر على الطرق التجارية للشام ،فقادوا المسلمن في حرب الردة ثم في الفتوحات ،وبعد توطيد الفتوحات اصبحوا امراء البلاد المفتوحة، وحين تولى ابن عمهم عثمان الخلافة سيطروا عليه وانتهى الامر بأن توارثوا الملك في ذريتهم خلال{الدولة الاموية} .

في الدولة الاموية (41-132هـ661 -750م)و تطاحن الشرعيات السياسية :
أي انه بعد موت النبي (ص) بأقل من ربع قرن دخل المسلمون في نزاع مسلح تطاحنت فيه شرعيات سياسية مختلفة ،كل منها تظن انها علي الحق او تسعي الي احقاق الحق ، وتمخض عن هذا النزاع تحويل الشوري المقيدة في عصر الخلفاء الراشدين الي ملك وراثي استبدادي في الدولة الأموية ،وبالتالي ادي الي تطاحن اكثر حدة بين شرعية السلطة الأموية والشرعيات الثائرة عليها من علويين وشيعة وخوارج وابناء البلاد المفتوحة من الفرس والمصريين الاقباط والبربر ،الي القبائل العربية نفسها التي كانت تؤيد الامويين ثم انقلبت عليهم .مما ادي في النهاية الي سقوط الدولة الاموية في ريعان شبابها (سنة132هـ،750م).
وقد وصلت الدولة العربية الاسلامية الي اقصي توسع لها في الدولة الاموية ،فيما بين الهند والصين شرقا الي جنوب فرنسا غربا ،ومن اسوار القسطنطينية شمالا الي النوبة والصحراء الافريقية جنوبا ،وفي عهدها اصبح البحر المتوسط بحيرة عربية وكذلك البحر الاحمر .وكانت الدولة الاموية تفتح الدولة المجاورة بيد وتقاتل في الداخل أعداءها باليد الاخرى ،الي ان سقطت بعد ان تكالب عليها اعداؤها الناقمون عليها.
ومن الطبيعي ان الامويين كانوا يعتقدون في شرعيتهم السياسية ،ويعتبرون الثائرين عليهم عصاة ،ولذلك قتلوا بدون رحمة الحسين وآله في كربلاء ودون الحاجة الي فتوى دينيةالا قول بعضهم فيما بعد (ان الحسين قتل بشرع جده )أي انه يستحق القتل لأنه ثار علي دولة شرعية دون ان يكون كفئا للنضال ومستحقا للنجاح .
وكذلك فان الثوار علي الامويين مهما اختلفت مذاهبهم كانوا يعتقدون بشرعية خروجهم علي الدولة ،ولهم عليها اتهامات تستوجب الثورة عليها ،واهم هذه الاتهامات انهم ساروا علي خلاف النبى والخلفاء الراشدين في احتكارهم السلطة والثروة وتوارثهم لها .وقد رد علي هذه الاتهامات عبد الملك بن مروان حين خطب بالمدينة مركز المعارضة سنة75هـ فقال (اما بعد ..فلست الخليفة المستضعف –يعني عثمان – ولست الخليفة المداهن –يعني معاوية –ولا الخليفة المأفون ـ يعني يزيد ابن معاوية –الا وان من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الاموال ،الا واني أداوي أدواء هذه الامة بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم .تكلفوننا اعمال المهاجرين ولا تعملون مثل اعمالهم …والله لا يأمرني احد بتقوى الله الا ضربت عنقه) [4].
الدولة الاموية وقانون القوة :

والواضح في خطبة عبد الملك انه يحكم بشرعية القوة أو الاستحقاق ويرفض استخدام الوعظ الدينى في نقده ، ويهددالثائرين عليه من مدعى التدين بالسيف. ويري ان خصومه يطالبونه بالسيرعلي عهد النبوة حين كان المهاجرون والانصار يعيشون فى عدل، ولكن هذا العدل قد انتهى عصره بدليل ان اولئك الخصوم لايعملون عمل المهاجرين والانصار ،لأن العصر غير العصر .
والواقع ان الامويين اسرفوا في استعمال القوة الي درجة القسوة دفاعا عن شرعيتهم السياسية واحقيتهم بالحكم كما يتصورون .فلم يتورعوا عن مذابح كربلاء واقتحام المدينة وانتهاك حرمة الكعبة في خلافة يزيد ابن معاوية، كما لم يتورع ولاتهم من التطرف بقتل الابرياء لمجرد الشبهة كما كان يفعل زياد ابن ابيه والحجاج وخالد القسري .
وكانت القبائل العربية في عصر الدولة الاموية قسمين ،قسم ثائر علي الدولة يمثله الخوارج الذين أرهقوا الامويين بثوراتهم ،ومنهم الذين استحلوا دماء كل المسلمين كالمحكّمة الاولى ،الذين كانوا يهجمون علي المدن فيقولون لا حكم الا الله ،ثم يقتلون كل من يقابلهم ،وفي نفس الوقت يراعون العهد مع اهل الكتاب ،أي يقتلون المسلمين بعد اتهامهم بالكفر ثم يحافظون علي حياة اليهود والنصارى.اما القسم الثاني من القبائل فكان يخدم الدولة الاموية يفتح بأسمها الاقطار ،ويقتل في سبيلها المعارضين في الداخل. وما لبث ان ثارت القبائل اليمنية علي الامويين بسبب تعصب بعض الخلفاء للقبائل المضرية العدنانية الشمالية ،وتعاونت تلك القبائل اليمنية مع عدو اكثر شراسة يتقدم ببطء وثبات وفي خفاء ،يدعو للرضى من آل محمد ،وهذا العدو هو الذي اسقط الدولة الاموية واقام بدلا منها الدولة العباسية .
بداية التمسح الاموي بالقضاء والقدر : أي بالشرعية الالهية :

علي ان تلك القسوة المفرطة للامويين اضطرت تحت وطأة الدعاية الدينية المضادة لخصوم الدولة الي التمسح بالارادة الالهية، فزعم الامويون ان افعالهم تجرى بقدر الله ، أي ان الله شاء منذ البداية ان يقتل الحسين وآله في كربلاء ، وما فعلوه هو تنفيذ لمشيئة الله ،وان من اعترض علي ذلك فقد اعترض علي مشيئة الله .
والتمسح بالمشيئة الالهية وتبرير الظلم والشرك بزعم ان الله شاء لهم ان يشركوا ،هذا الزعم قاله الامويون في مكة اثناء اضطهادهم للمسلمين ،وذكر القرآن ذلك ورد عليهم (وقال الذين اشركوا لو شاء الله ماعبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ ،كذلك فعل الذين من قبلهم فهل علي الرسل الا البلاغ المبين :النحل 35)أي انها عادة ان يتمسح الظالمون بالمشيئة الالهية فيما يرتكبون من ظلم لله والناس .واخبر القرآن الكريم انه سيأتي فيما بعد من سيقول نفس المقولة (سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ ،كذلك كذب الذين من قبلهم :الانعام 148)وقد لا تنطبق هذه الآية علي عصرالأمويين اذ لم يكن في عهدهم عبادة لغير الله ، وان كانت الاية تشير الي انها عادة ان يتمسح الظالم بالمشيئة إلالهية ،في الماضي،او في الحاضر ،و في المستقبل .
علي ان بعض المثقفين الاحرار فى العصر الأموى رفضوا الدعوة الاموية وتبريرها الظلم التى تقع فيه بقضاء الله وقدرة وقولهم ان اعمالنا تجري بقدرة الله ولا اعتراض علي مشيئة الله . رفع اولئك المثقفون شعار (لا قدر والأمر انف )أي ليس للقدر دخل بهذا الظلم الاموي ، وانما يسير الظلم الاموي بالقوة رغم انوفنا ،وسمي اصحاب هذا المبدأ بالقدرية ،أي اصحاب مذهب الارادة الحرة ومسئولية الانسان عن عمله دون التمسح بالارادة الالهية . وقد نشط زعماء هذا المذهب الي الثورة علي الامويين ،وتعرض زعماؤهم الي تعذيب الامويين وقتلهم، ومنهم معبد الجهني الذي قتله الحجاج وغيلان الدمشقي الذي قتله الخليفة هشام بن عبد الملك [5].
بداية تحول الشرعية السياسة للتدين أو استخدام السياسة للدين في العصر الاموي :
وشهد العصر الاموي بداية تحول الخلاف السياسي المسلح الي نوعيات من التدين ،او تحول التنافس بين الشرعيات السياسية الي اختلاف في التدين بين جماعات المسلمين .
وبدأ ذلك برعاية القطبين اليهوديين اللذين أسلما وغررا بالمسلمين .هما رفيقان من اليمن قاد كل منهما معسكرا من المسلمين يواجه به المعسكر الآخر. انهما كعب الاحبار المنحاز للامويين ورفيقه عبد لله بن سبأ الذي بدأ التشيع المعادى للأمويين، وكلاهما وضع تأويلات دينية للمعسكر الذي ينتمي اليه ،وقد زعم كعب الاحبار علم الغيب وبأنه يقرأ الموجود بالتوراة التي لا يعرفها سواه ،وكان يحظى بالتصديق، واستغل علاقته بالصحابي ابي هريرة الذي كان يوالي الامويين ،وعن طريقهما نشطت الدعاية للامويين ،ووضعت احاديث في فضل معاوية وآله ،واستخدم الأمويون وظيفة القصص او من يقوم بالوعظ بعد الصلاة ويستخدم وعظه فى الدعاية للامويين ،وكان ابو هريرة الصحابى يروى عن كعب ـ الذى لم ير النبى اذ أسلم فى عهد عمر ، وكان كعب وأبوهريرة معا من اهم مصادر هذا الوعظ، ثم كان الاوزاعي في نهاية الدولة الاموية من اهم اعلام الدعاية الاموية فى جانبى القصص وتأليف الأحاديث النبوية[6].
وفي جانب المعارضة بدأت السبئية ـ اتباع عبد الله بن سبأ ـ بتأليه عليّ بن أبى طالب وزعم انه لم يقتل وانه سيرجع يوم القيامة ليملأ الارض عدلا ،ثم ظهرت الكيسانية تقول بأمامة محمد بن علي ابن ابي طالب (ابن الحنفية )وتؤله الائمة وتعمل علي طاعتهم ،والكيسانية هم الذين انشأوا الدولة العباسية فيما بعد .واسفرت دعاوي الشيعة في العصر الاموي عن شيوع فكرة المهدي المنتظر، وبداية تأسيس المذهب الشيعي الذي اكتملت ملامحه في العصر العباسي .
والخوارج او البدو الثوريون المتدينون هم اول من بدأ بمزج الدين بالثورة ،الا انهم بمجىء العصر العباسي كانوا قد استهلكتهم الثورات المتكررة علي الامويين وخلافاتهم المتكررة الداخلية . ولكن بقيت آراؤهم الدينية ، وأغلبها فى تكفير علي بن أبى طالب وتكفير المخالفين لهم في الرأي واستحلال اموالهم واولادهم ونسائهم وتكفير مرتكب الكبيرة .وبانتهاء العصر الاموي انتهي الخوارج عسكريا ،ولكن بقيت اراؤهم ونوعية التدين في العصر العباسي ، وهو عصر تحول الشرعيات السياسية المختلفة للمسلمين الي نوعيات مختلفة من التدين .
تحول الشرعيات السياسية البشرية المتصارعة الي انواع مختلفة من التدين :
لماذا لم يكتمل التدين في العصر الاموي ؟
في دولة قامت علي اسس دينية لابد ان يتحول الخلاف السياسي فيها الي خلاف في التدين ،والتدين هو الرؤية البشرية للدين و تطبيقه ،بغض النظر عن مدى صحة هذه الرؤية واقترابها او اختلافها مع صحيح الدين وحقائقه .
وشهد العصر الاموي تطرفا في الاراء الدينية الي درجة ان الشيعة السبئية بادرت بتقديس علي في حياة عليبن أبى طالب مما اضطره لأحراقهم ،كما ان الخوارج في تطرفهم في تكفير كل المسلمين المخالفين قرنوا القول بالعمل فكانوا يستحلون دماء مخالفيهم حتى من المسالمين الذين لا شأن لهم بالحرب أو السياسة .كما ان الامويين بدورهم اسرفوا في القتل بمجرد الشبهة مثلما كان يفعل الحجاج وغيره .
ومع وجود هذا التطرف بالرأي والسلوك لدى اصحاب الشرعيات السياسية الا ان ذلك التطرف لم تتح له الفرصة الكافية لكي يتحول الي تدين مكتمل الملامح ،نظرا للانهماك السياسي في الحروب والمعارك المتبادلة بين الدولة ومعارضيها، والشقاق الذي كان يصل لدرجة الحرب الداخلية في داخل اجنحة الدولة الاموية ،وفي داخل الاحزاب المعارضة،علاوة علي قصر عمر الدولة الاموية الملئ بالاحداث الداخلية والخارجية ،وعدم اكتمال الحركة العلمية الفكرية في العصر الاموي .ولذلك لم يكن هناك وقت للتأصيل الفكري أو الديني واقتصر التدين علي تغليف السلوكيات القائمة فعلا برأي ديني ،فالقتل تحول الي تكفير فاستحلال ،أي كان التدين في بساطته يعتبر وسيلة لتبرير الشرعية السياسية مثلاولم يكن الدين هدفا قائما في حد ذاته ،كما في العصر العباسي حين اكتملت طقوس التشيع و مراسيمة الدينية ، واصبح السعي السياسي لأقامة دولة شيعية نابعا من ذلك التدين الشيعي المكتمل بعقائده وجدلياته واركانه ورسومه وطوائفه .

اسباب اكتمال التحول الي انواع مختلفة للتدين في العصر العباسي :

العصر العباسي هو الذي اتاح للشرعيات السياسية ان تتحول الي انواع تدين مكتملة ،لأسباب شتى ،منها طول العصر الذي استمر خمسة قرون (749-1258م)في مقابل تسعين عاما فقط للدولة الاموية ، ومنها اختلاف طبيعة الدولتين ،فالدولة الاموية دولة عسكرية تؤمن بقانون القوة ،أما الدولة العباسية فهي دولة دينية تقوم علي قوة القانون الشرعي الذي يستخرجه لها فقهاؤها ،وتبدأ باستصدار الفتوى المناسبة ثم تطبقها في مصلحتها السياسية .
وملامح الدولة الدينية اكتملت في الدولة العباسية فقد بدأت بدعوة دينية شيعية كيسانية لأمام مهدي مستتر تحت ستار الدعوة للرضى من آل محمد ،وعززت هذه الدعوة العلنية احاديث منسوبة للنبي تبشر بالدولة القادمة وتمهد لها ،وقد عقد السيوطي في(تاريخ الخلفاء )فصلا عن الاحاديث المبشرة بخلافة بني العباس ،بعضها يتحدث عن اسماء الخلفاء العباسيين [7]ومعلوم ان النبي عليه السلام لا يعرف الغيب وممنوع ان يتكلم فيه وفقا لما اكده القرآن الكريم (الانعام 50 ،الاعراف 188،الاحقاف 9).
ومع ان ابن عباس جد الخلفاء العباسيين لم يبلغ ما سمعه من الرسول عشرين حديثا كما يقول ابن القيم الجوزية [8]الا أن الدولة العباسية الدينية زورت آلاف الأحاديث ونسبتها الي ابن عباس لترفع من شأنه ومن شأنها ،ومن هنا كان الخلفاء العباسيون يتسمون بأسماء دينية وخصوصا في العصر العباسي الثاني (راجع المعتصم بالله ،الواثق بالله ، المتوكل علي الله ،المنتصر بالله ،المستعين بالله ،المعتز بالله ، المهتدي بالله ، المعتمد على الله ،المعتضد بالله ..الخ ).ويلاحظ ان ملامح التدين للدولة العباسية كانت تزداد وتترسخ كلما تقدم بها العمر وازداد ضعفها وانحلال خلفائها ،والدليل علي ذلك الاعتقاد بأن الدولة العباسية ستستمر الي قيام الساعة ،كما قالت الاحاديث الموضوعة في التبشير بالدولة ،حتى ان هولاكو تأثر بهذه الاساطير وهو علي اهبة تدمير بغداد و قتل الخليفة المستعصم ،فعقد مجلسا حربيا لبحث هذا الامر ومدى خطورته المحتملة عليه اذا دمر الخلافة والدولة العباسية ،واخيرا تشجع هولاكو بنبوءة نصير الدين الطوسي الفلكي وهجم علي بغداد حسبا يذكر الهمداني في تاريخ المغول [9].
وأبو جعفر المنصور هو المؤسس الحقيقي للدولة العباسية ،وهو القائل في خطبته (ايها الناس انما انا سلطان الله في ارضه اسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه علي فيئه (ماله) اقسمه بارادته واعطيه بأذنه .)[10]. أى أنه الذى أعلن مذهب الحاكمية ، أو الخليفة الذى يحكم باسم الله تعالى ويستمد سلطته من الله وليس من الناس ، ويكون مسئولا ليس أمام الناس ولكن أمام الله تعالى فقط يوم القيامة. وهو أيضا الذى قام بتطبيق " الحاكمية " فتحولت الدولة العباسية الى دولة كهنوتية سنية ، أعطت مبررا للدولة الفاطمية أن تزيد عليها فيما بعد فى الكهنوت وتأليه الخليفة الفاطمى وتقديسه على نحو ما حدث فى مصر الفاطمية.
نعود للدولة العباسية ، وقد اصطنع ابو جعفر المنصور مجموعة من الفقهاء تفتي له بما يريد ،منهم ابن ابي ليلة وابن شبرمة وابن ابي هند ،وابو حنيفة .الا ان ابا حنيفة لم يساير الخليفة في هواه ،فكان مصيره التعذيب والقتل بالسم ،ويذكر ان اهل الموصل كانوا قد ثاروا علي المنصور ثم اخمد ثورتهم ،واشترط عليهم ان ثاروا ثانية فان دماءهم حلال ،وثار اهل الموصل سنة 148هـ فاستشار ابو جعفر الفقهاء بشأنهم فقالوا :ان عفوت فانت اهل العفو وان عاقبت فبما يستحقون .ولكن ابوحنيفة قال ( انهم اباحوا لك ما لا يملكون ، ولقد اشترطت عليهم ما ليس لك حين وافقوا انهم اذا ثاروا عليك فدماؤهم حلال لأنهم لا يملكون دماءهم ، وليس لك ان تشترط عليهم سفك دمائهم ،ارأيت ان اباحت امرأة جسدها الذي لا تملكه بغير عقد نكاح فهل يجوز ذلك ؟ ) [11].!!
وفي عصر هذه الدولة الدينية اكتملت الحركة العلمية وعرفت التدوين والاتساع والتخصص .وتم نقل معارف الثقافة الشرقية والغربية وترجمتها الي اللغة العربية ،وانعكس ذلك علي التدين ،فلم تتحول الحركات السياسية (المشروعيات السياسية)فقط الي طوائف دينية ومجموعات مختلفة من التدين ،بل ان بعض الحركات الفكرية التي انتجها العصر العباسي ما لبثت ان تدخلت في السياسة واصبح لها طوائف ،مثل المعتزلة وبعض الفرق الفلسفية والكلامية .وبعض الشرعيات السياسية مثل الخوارج استهلكت قوتها العسكرية في الدولة العباسية،ولكن بقيت مبادؤها البسيطة حتي العصر العباسي فنشأت حولها فرق وتنوعت آراؤها وتعقدت ،وما لبث ان اصبح لها تدين خاص ،مثل الاباضية في الجزيرة العربية وشمال افريقيا .
اكتمال انواع التدين الاساسية للمسلمين سنة ،شيعة وتصوف :

وبغض النظر عن انواع التدين السابقة فان العصر العباسي اكتملت فيه ثلاثة انواع من التدين لاتزال سائدة حتي الان ،وهي التدين السني والتدين الشيعي والتدين الصوفي .
ومصطلح السنة يأتي في القرآن بمعي المنهاج أو الشرع ،وبمعني الشرع يأتي منسوبا لله تعالي (ما كان علي النبي من حرج فيما فرض الله له، سنة الله في الذين خلوا من قبل ،وكان امر الله قدرا مقدورا :الاحزاب 38) فهنا " سنة الله " هى " شرع الله " هى " أمر الله ". وفي العصر الاموى استعمل مصطلح السّنة في معرض الاعتراض علي السياسة الاموية واهمية ان ترجع الي ما كانت عليه سنة النبي ،أي شرعيته العادلة فى الحكم .وبها بدأ الاستعمال السياسي لكلمة السنة في خضم الصراع بين الشرعيات السياسية .
وحين نجح الشيعة الكيسانية في الدعوة للرضى من آل محمد ـ الامام المختفى غير المعلوم ـ وكان مفترضا أنه من ذرية علىّ بن أبى طالب،وكان من ادبياتهم نفس الاستعمال السياسي لمصطلح السنة .وحين ظهر ان الخليفة الموعود ليس من ذرية علي وانما من ذرية ابن عباس حدث الشقاق بين انصار العباسيين القائمين مع الخليفة العباسي و انصار المطالبين بأحقية ذرية علي بالخلافة دون العباسيين .وظلت كلمة شيعةاوالصحابه تطلق علي انصار العباسيين حتي تولي ابو جعفر المنصور الخلافة وتقاتل مع العلويين فىالحجاز والعراق فى ثورةمحمدالنفس الزكيةواخيه ابراهيم . عندها استبقي الخلفاء العباسيون لأنفسهم مصطلح السنة ،وأهملوا لقب الشيعة، فاصبح خاصا بخصوم الدولة والخارجين عليها ،و اضيفت للشيعة اوصاف اخري سياسية وعقيدية اهمها الرافضة .
اذن تقلب مفهوم السنة من الشرع كما جاء في القرآن الكريم الي معني سياسي منسوب للنبي في اطار الخطاب السياسي المعارض للأمويين ،ثم احتكرته الخلافة العباسية ليدل علي مدلولها السياسي في مقابل خصومها الشيعية ، ثم تحول مصطلح السنة في العصر العباسي ليدل علي التدين ،بعد تحول الشرعية السياسيه الي التمسح بالدين ، فأصبحت السنة تعني من ناحية العقائد والفلسفات[ المذهب الذي يمثله ألا شعري بعد ان ترك المعتزله ].وأصبحت السنة من ناحية الفقه والفروع المذاهب الاربعة المنسوبة للائمة ابي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل ،هذا في عصر الاجتهاد الفقهي ،ثم في عصر الجمود اصبح مصطلح السنة في كتب الفقة يشيرالي درجة اقل من درجات الواجب ،فيقال هذا فرض واجب ،وهذا سنة .اويقال "يسنّ"بمعني يستحسن فعل ذلك ..وفي علم الحديث اكتملت للحديث السني مصادره وشيوخه ،وبدأ مختلطا بالفقه ثم انفصل عنه ..
و اكتملت للتشيع طوائفه واسفاره المقدسة و احاديثه المقدسه وعباداته وائمته ،واتيح له اكثر من هذا ان يقيم دولا ثابتة راسخة ابرزها الدولة الفاطمية التي استمرت اكثر من قرنين من الزمان وتوسعت مابين شمال أفريقيا الي مصر والشام وحدود العراق ،وكادت تقضي علي الدولة العباسية ،واستمرت فيما بين (909-1712)واقامت القاهرة والازهر ،ولازالت آثارها العمرانية باقية حتي الان . كما اتيح للتشيع ان يقيم دولا متحركة مثل حركة الزنج في جنوب العراق وحركة القرامطة التي توسعت في العراق و الشام واعمدتها من الاعراب .
وعلي هامش الصراع بين السنة والتشيع ظهر التصوف ابنا شرعيا للتشيع [12]يعمل من اجله سياسيا ، مما اوقع بروّاد التصوف الاوائل في اضطهاد الدولة العباسية السنية،الا ن التصوف ما لبث ان انفصل وتخفف من السياسة وتملق الحكام في العصر العباسي الثاني ،فتخلص التصوف تدريجيا من الاضطهاد ،ثم تسيد وسيطر ،وبعد ان كان الحنابله –المتشددون السنيون –يضطهدون الصوفية فى العصر العباسى الثانى ،اصبح الصوفية بعد انتهاء العصر العباسي ومجئ العصر المملوكي هم الذين يضطهدون الحنابلة ،كما حدث في تاريخ ابن تيمية .
وبذلك ندخل علي الشرعيات السياسية وصراع التدين الصوفي والتدين الحنبلي فيما بين العصرين العباسي والمملوكي .

الشرعيات السياسية والصراع بين التدين الحنبلي السني والتدين الصوفي :من ابن حنبل الي ابن تيمية
صراع المحافظين والمستغربين: المعتزلة والحنابلة في العصر العباسي ومحنة ابن حنبل :

الدولة العباسية كدولة دينية ذات تدين خاص اعتمدت علي فقهائها ورواة الحديث التابعين لها في تعزيز سياستها ضد الشرعيات السياسية المناوئة لها ، واذا قصّر احد الفقهاء في خدمة الدولة كان يتعرض للاضطهاد على قدر التقصير، وهذا ما حدث مع مالك وابى حنيفة والشافعى ، ثم ابن حنبل فيما بعد.
الا ان الدولة العباسية فتحت ابواب الترجمة عن اليونانية والسيريانية والهندية وواكب ذلك عودة الحياة الي المدارس الفلسفية اليونانية القديمة ،واصبح التزندق الفلسفي موضة لا غبار عليها طالما لا يعار ض سياسة الدولة ، وقد اشتهر من العاملين في اجهزة الدولة العباسية الكثير من الزنادقة ،واشتهر شعرهم وادبهم بينما طاردت الدولة خصومها السياسيين بحد الردة وتهمة الزندقة [13].
ومن الطبيعي ان ينفر الفقهاء المحافظون من هذا التيار الجديد المتأثر بالثقافة اليونانية الغربية وما يتمخض عنه من تكرار مقالات الفلسفة والدهريين ،خصوصا مع ظهور المعتزلة الذين يقرأون الفلسفة ويقرأون التدين السائد قراءة عقلية ، وبصورة تخالف القراءة المحافظة التقليدية .
وقد وقع الخليفة المأمون (813-833)في هوى ذلك التيار المعتزلىالجديد ، اذ كان شغوفا بمجالس العلم، واقتنع بمقولة المعتزلة ان القرآن مخلوق، واستعظم ان يعارضهم الفقهاء المحافظون ،وكان يتزعمهم في عهده احمد بن حنبل فصمم علي فرض رأيه علي الدولة ،وبدأت بذلك محنة ابن حنبل لإجباره علي القول بأن القرآن مخلوق .وتحت الضغط والتهديد تراجع الفقهاء عدا ابن حنبل ومحمد بن نوح فوضعا في السجن تحت العذاب ومات المأمون وقد اوصى ولي عهده المعتصم بالله بالاستمرار بالقضية ، فأمر المعتصم بتعذيب ابن حنبل سنة218،وظل ابن حنبل بالسجن الي ان افرج عنه في رمضان سنة 220هـ،واستمر اثر الضرب في جسده يتوجع منه الي ان مات سنة241 هـ[14].
محنة ابن نصر الخزاعي :
وادى ما حدث لابن حبل الي قطيعة بين الفقهاء المحافظين والعباسيين ،واستغل الفقهاءمكانتهم في الشارع ،واقد اصبح لقبهم الحنابلة ،وبدءوا في اثارة القلاقل ضد الدولة بحجة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ،مما دعاالخليفة الواثق الي القبض علي زعيم الفقهاء الحنابلة ،وهو احمد بن نصر الخزاعي بحجة انه ينكر خلق القرآن ،وحقق الخليفة معه ثم قتله بيده ،وامر بصلب رأسه في موضع وصلب جسده في موضع آخر وكان ذلك سنة231[15].وفي غضون هذ الأحداث وضع الحنابلة حديث (من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وهذا اضعف الايمان )ليعطوا لانفسهم سلطة الحركة فى الشارع.
علو شأن الحنابلة في العصر العباسي منذ عهد المتوكل واضطهاد الصوفية :
في هذه الفترة كان نفوذ المعتزلة سائدا في الدولة العباسية حيث كان الوزير المعتزلي محمد ابن عبد الملك بن الزيات يسيطر علي الامور ،ويستهين بولي العهد وهو أخ الخليفة الواثق الذي تولي الخلافة فيما بعد تحت اسم الخليفة المتوكل .
وعندما تولي المتوكل سنة 232/847م بادر بقتل ابن الزيات وتحسين علاقته بالفقهاء الحنابلة ،فاستقبل ابن حنبل وكرمه وارسل الفقهاء الحنابلة للتبشير بالسنة في الولايات ،واصبح الحنابلة متحكمين في الدولة وفي الشارع علي السواء ،وتأثر بهذا عصر المتوكل فشهد تعصبا ضد أهل الكتاب وإلزاما لهم بارتداء زي معين للتحقير ،واضطهادا للشيعة والصوفية الاوائل [16].
وكان التصوف وقتها يخطو خطواته الاولي ،ولكن لاحقت الدولة العباسية اربابه بالمحاكمات ،واشهرها محاكمة سمنون الذي اعتقل فيها كل ارباب التصوف فأظهروا التقية ،الا ان الدولة العباسية قتلت الحلاج سنة309 بسبب صراحته في اعلان عقيدته والشكوك السياسية التي احاطت به ،حيث اتهم بالتشيع والعمل مع القرامطة .وكان ذلك في خلافة المقتدر العباسي (295-320)(908 - 932)[17].
وسيطر الحنابلة علي الشارع لدرجة انهم حين اختلفوا مع الطبري امام المؤرخين والمفسرين حاصروه في داره الي ان مات ،ودفن في داره ،ولم تستطع الدولة العباسية حمايته منهم ،ومن يراجع تاريخ المنتظم لابن الجوزي يجد نفوذ الحنابلة نافذا علي المستويين الرسمي والشعبي في العصر العباسي الثاني من عهد المتوكل الي القرن السادس الهجري [18]حيث عاش ابن الجوزى نفسه ليشهد تغير الاحوال واشتداد عود التصوف في مواجهة الحنابلة ،وبعد ان كان الحنابلة يضطهدون التصوف نرى ابن الجوزي يكتب (تلبيس ابليس) يهاجم الصوفية في اكثر ابوابه ويتحسر كيف اصبح فقهاء الحنابلة يدخلون مؤسسات التصوف وكيف اصطلح الذئب الحنبلي علي الغنم الصوفي [19].
انتشار التصوف منذ القرن السادس الهجري وتفريغ التدين السني من محتواه .
ويعتبر ظهور الشيخ ابو حامد الغزالي (ت505هـ) نقطة تحول اساسية في تاريخ التصوف اذ كان زعيم الفقه والصوفية معا، وقد تزعم الفقهاء في نقد الفلسفة كما استخدم زعامته للفقهاء واسلوبه الفقهي الجديد في كتابه الشهير (الاحياء)في مزج التصوف بالفقه وتضييق الانكار علي التصوف ليصبح الانكار محصورا علي اشخاص الصوفية المعاصرين مع الاحترام للتصوف ذاته .
ومع ان الغزالي واجه الاستنكار في حياته وسجل هذا في كتابه (اشكالات الاحياء )الا ان المجرى التاريخي العام كان يسير لصالح التصوف فاصبح متسيدا لتاريخ المسلمين وعقائدهم وعقولهم منذ العصر المملوكي في منتصف القرن السابع الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر الميلادي (648هـ-1250)واخذ نفوذه يتعاظم بمرور الايام والاعوام حتي خنق الحياة العقلية بخرافاته. واستطاع التصوف بهذا النفوذ اجهاض حركة ابن تيمية الحنبلية في القرن الثامن الهجرى الرابع عشر الميلادي .
ومن العوامل التي ساعدت علي انتشار التصوف وتسيده ضعف الحكام وظلمهم وشقاقهم فيما بينهم من سلاجقة وايوبيين الي ان ورثهم المماليك الذين تفوقوا علي الجميع في الظلم والقسوة . وهذا الصنف من الحكام لا يستريح الي فقيه حنبلي يقول له افعل أو لا تفعل لأنه لا يعرف سوي العنف والسيف ويريد رجل دين ينافقه ويوافقه ،ومن هنا وجد الحكام الظالمون ضالتهم في الصوفية الذين يجيدون فن الدعاء للحاكم وتقعيد اسلوب النفاق له .
وتقرب الصوفية للعوام بكل الطرق فلم يعد التبحر في العلم طريقا للولاية و انما مجرد الادعاء بالعلم اللدني و الكرامات يفتح الابواب لكل طموح من العوام ليكون شيخا صوفيا طالما وجد من يصدقه من المريدين والاتباع ، والعوام يجدون لدي التصوف كل ما يريدون اذاصاروا للشيوخ الصوفية اتباعا ، فاصحاب الهوى في الانحلال الطبيعي والشاذ يجدون مسوغا دينيا لدي الصوفية يحل لهم ما يشاءون، وهواة الغناء والرقص يجدون مجالا لهم في الحفلات الصوفية[20] وهواة المآدب والطعام والرحلات يجدون ما يريدون خلال الموالد والنذور والسياحة الصوفية، ثم في النهاية يجد العوام طريقا بسيطا للتدين خلال ما تعوده اسلافهم وهو تجسيد الاله في قبر مقدس (ضريح )وفي شيخ مقدس حي او ميت ،ويعتقد انه يدخل الجنة من خلال علاقته المادية المباشرة بذلك الاله المادي الذي يراه ويلمسه .
اما المثقفون من الفقهاء فقد ضعف مستواهم العلمي بقدر ما زاد خضوعهم للسلطة القائمة ورأوا مصلحتهم في مسايرة الوقت .وانهمك الثوريون منهم في الانكار علي متطرفي الصوفية اصحاب الشطحات او اساءة القول المفرطة في حق الله تعالي وفي حق رسوله، كما ان التصوف اتاح للمثقفين اصحاب الاهتمام بالفلسفة لكي يقرأوا اذا شاءوا في الغاز التصوف وفلسفته الوجدانية الاشراقيه
تحول التصوف النظرى الفلسفى الي طرق صوفية شعبية تعتمد علي سلاسل من العهد عبر الشيوخ،يزعمون انها انتقلت الي الشيخ الحالي من السابقين عبر الزمن الي ان تصل الي (علي )ابن ابي طالب ثم الي النبي ثم الي جبريل ثم الي الله تعالي ، وهو نفس النسق الذي اعتمده التدين السني في توثيق الاحاديث عبر سلاسل الرواة من شيخ معاصر الي النبي او الي الله تعالي في الحديث القدسي .
وادت كثرة الطرق الصوفية وتشعبها وسهولة تكوينها الي ان انتظم في سلك التصوف الجميع بالاعتقاد او بالاسترزاق من العوام والفلاحين الي الفقهاء والامراء والسلاطين، واصبح التصوف هو التدين الواقعي المتسلط في بلاد المسلمين وحل محل التدين السني والشيعي، اذ كان هناك تصوف شيعي وتصوف سني .
وإذا كان التصوف في حقيقته ابنا للتشيع متفقا معه في الأساسيات وبعض الشكليات وتقديس الأئمة من آل البيت فانه لم يضف جديدا للتدين الشيعي، ولكنه حين ساد في عالم التدين السني فانه في الحقيقة سلب التدين السني ابرز خصائصه، واصبح مصطلح السنة مجرد شعار سياسي تتمسك به الدولة المملوكية التي تأخذ شرعيتها السياسية من وجود خليفة عباسي ضمن حاشية السلطان بعد تدمير الدولة العباسية علي يد المغول. ومن هنا يكون مصطلح السنة مجرد واجهة تواجه بها الدولة المملوكية اعداءها الشيعة ، بالاضافة الى انهم جعلوا السنة خاصة بالعبادات أو" الشريعة " مقابل " الحقيقة " أى العقائد الصوفية من الحلول والاتحاد ووحدة الوجود . هذه الحقيقة الصوفية أو العقائد الصوفية تناقض عقيدة الاسلام اذ تجعل الكون بأسره جزءا من الله تعالى أو هو عين الله تعالى،أو لا وجود لله تعالى خارج هذا العالم المادى ، أو أن الفارق بين الله تعالى وبين العالم المادىـ من بشر وحجر ومادة وطاقة ـ كالفارق بين البحر وأمواجه .وبالطبع فان عقائد السنة التي فهمها ائمة الفقه السني من مالك وابي حنيفة تخالف عقائد التصوف ، بل ان ائمة الفقه السني الذين شهدوا بدايات التصوف انكروا عليه مثل الشافعي وابن حنبل ، واكثر من هذا حارب الحنابلة اللاحقون التصوف في ما بين القرن الثالث الي الخامس من الهجرة .
ظهور مصطلح التصوف السني ومعناه :

اذا فمع التناقض بين التدين السنى والصوفي الا ان تسيد التصوف حول مصطلح السنة الي مجرد شعار سياسي كما كان في العصر الاموي،والى شعار فقهى ( الشريعة ) وتحت شعار السّنة مارس العصر المملوكي تدينا صوفيا مخالفا للتدين السني ،وظلت الامور تسري علي هذا المنوال دون احساس بالتناقض حتي ظهر ابن تيمية واكتشف الفجوة بين التدين السني واحوال الصوفية في عصره وقرن الدعوة بالعمل فاضطهده عصره .

اضطهاد ابن تيمية في العصر المملوكي :

وبدأت محاكمة ابن تيمية حين احتج علي كتاب الفصوص لابن عربي الذي يصرح بعقيدة الصوفية في وحدة الوجود أو انه لا فارق بين الله والكون ،وكان ذلك في شهر رجب 705هـ في الشام ، وكان الشام تابعا للسلطنة المملوكية ،وكان السلطان الفعلي وقتها بيبرس الجاشنكير الذي اغتصب الحكم من السلطان الشرعي محمد بن قلاوون ،وكان ابن تيمية باعتباره اكبر فقهاء عصره يؤيد حق الملك الشرعي ومن هنا كان الجاشنكير غاضبا عليه فأيد الصوفية في اضطهاده .
ثم عقدت لأبن تيمية محاكمة اخرى في مصر حيث اعتقلوه في جب القلعة وارادوا الحكم بقتله ،وانصبت محاكمته حول امور فقهية لأن خصومه منعوه من مناقشة عقائد ابن عربي خوف الفضيحة، ومع ذلك ارادوا الحكم بقتل ابن تيمية في تلك الخلافات الفقهية اليسيرة . واثناء اعتقاله في السجن حاولوا الحصول علي اعترافه بعقائدهم ويعرضون عليه الصلح والافراج ولكنه رفض ، وفي النهاية افرجوا عنه ونفوه الي الاسكندرية علي امل ان يقتله اعداؤه فيها ، الا انه صار له اتباع في الاسكندرية ، ثم اطلق بيبرس الجاشنكير سراحه . واستمرت المناوشات بينه وبين الصوفية حتي انهم عادوا لمحاكمته وسلطوا عليه سفهاءهم فضربوه والحوا علي السلطان في سجنه فسجنه.
واسقطت ثورة شعبية مصرية السلطان الجاشنكير و قد تخلى الصوفية والجند عن الجاشنكير فهرب وجئ بالسلطان الشرعي محمد بن قلاوون صديق ابن تيمية، وكان وقتها ابن تيمية معتقلا . وأعدالصوفية العدة لإستقبال السلطان الناصر محمد الذي سبق وان تخلوا عنه من قبل ليستعيدوا مكانتهم عنده وليكفروا عن تخليهم عنه من قبل.
وصحيح ان السلطان الناصر محمد بن قلاوون افرج عن ابن تيمية واتباعه واكرمه وجعل ابن تيمية مستشارا له ، الا ان السلطان الجديد استجاب لدسائس شيوخ الصوفية ، وكانت لديه هواجسه من شخصية ابن تيمية وكثرة اتباعه وشدته فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،فصدق الاشاعات الصوفية عن الطموح السياسى لابن تيمية. وكان الناصر محمد بن قلاوون قد تعلم الكثير من عزله مرتين من السلطة ، ويريد الاحتفاظ بسلطنته الثالثة مستبدا بدون أى نقد لذا انحاز الي الصوفية مضحيا بصديقه القديم ابن تيمية ، فاقام للصوفية اكبر خانقاه وهي خانقاه سرياقوس وافتتحها في حفل جامع سنة 725هـ ، وفي السنة التالية امر باعتقال صديقه القديم ابن تيمية بسبب فتوي سابقة له عن تحريم زيارة القبور.
وحمل الاعتقال الاخير لابن تيمية كل الحقد الصوفي عليه ،اذ كان يفرح بالسجن حيث يتفرغ للعبادة والتأليف ، الا ان خصومة الصوفية في سجنه الاخير منعوه من الكتابة، مما اثر تأثيرا سيئا علي نفسيته فمات بعد عامين من السجن سنة 728هـ 1327م .[21]

اثر الاضطهاد في حدة ابن تيمية في الافتاء بالقتل والتكفير :

وانعكس هذا الاضطهاد علي فكر ابن تيمية فكان اكثر حدة في التكفير لخصومه واكثر جرأة في الافتاء بقتلهم . و بنظرة سريعة الي فتاوى ابن تيميه نراه يوزع القتل علي كل من يخالفه في الرأي حتي خارج الصوفية ، فصاحب البدعة يقتل ، وما اسهل ان ترمي كل فرقة الاخرى بأنها صاحبة بدعة ،واذا عرفنا تنوع التدين لدي المسلمين ادركنا ان هذه الفتوى اذا ما تم تطبيقها لكانت قتلا للجميع بنفس الاتهام ،ويفتي ابن تيمية ايضا بقتل المسلم الذي يجهر بالنية في الصلاة حتي لو كان يعتقد ان جهره بالنية يأمره به الله تعالي ،ويفتي بقتل المسلم الذي لا يلتزم بآداء الصلاة في وقتها او يؤخر صلاة الفجر الي بعد طلوع الشمس او يؤخر صلاة الظهر والعصر الي بعد غروب الشمس ، ويفتي بقتل المسلم الذي يحضر المسجد ولا يشارك في صلاة الجماعة ، وفي كل ذلك يشترط ابن تيمية استتابة المتهم فان تاب والا قتل. الاخطر من ذلك كله انه يفتي بقتل أي مسلم بدعوى انه منافق يبطن الكفر ويظهر الاسلام ،أى يعطى الحجة لأي فرد لكي يقتل من يشاء من المسلمين بتهمة انه منافق ودون استتابة ،يقول ابن تيمية (اما قتل من اظهر الاسلام وابطل الكفر فهو المنافق الذي يسميه الفقهاء بالزنديق فأكثر الفقهاء علي انه يقتل وان تاب )[22].

الوهابية بين الشرعية السياسية والشرعية الدينية:
الشرعيات السياسية وصراع التدين الصوفي والتدين الحنبلي من ابن تيميه لابن عبد الوهاب:

الفقيه البقاعي بين ابن تيمية وابن عبد الوهاب :

اجهض الصوفية حركة الفقيه البقاعي سنة 875هـ في سلطنة قايتباي المملوكي أي بعد موت ابن تيمية بنحو قرن ونصف القرن،و قد ترسم البقاعي طريق ابن تيمية في الانكار علي المتطرفين الصرحاء من شيوخ التصوف ، فقد هاجم ابن عربي وابن الفارض وله في ذلك كتابان (تنبيه الغبي الي تكفير ابن عربي )(تحذير العباد من اهل العناد القائلين بالاتحاد )وقد اذاع انتقاده وتكفيره للشيخين المقدسين ابن عربي وابن الفارض اللذين ماتا قبل البقاعي بنحو قرنين ونصف القرن .فاضطهد الصوفية الشيخ البقاعي الي ان جعلوه يغادر مصر الي سورية. ولحقت كراهيتهم بمؤلفاته وتاريخه (تاريخ البقاعي )فلا تزال في معظمها اسيرة النسيان المتعمد والسرقة والتحريف مع انه سبق عصره في اجتهاد مبتكر في علم التفسير [23].

التصوف في العصر العثماني:

واضحي المسلمون في العصر العثماني اكثر تخلفا ،يجتهد ارباب التصوف مثل الشيخ عبد الوهاب الشعراني في نشر الخرافة واكاذيب الكرامات في جرأة يسمح بها عصره ،ويكتب في ذلك مؤلفات ضخمة مثل(لطائف المنن الكبري) وهو مجلد ضخم ملئ بالحديث عن مناقبه وكراماته وخرافاته .. وفي مؤلفاته الكثيرة يضع قواعد النفاق للحاكم والتسليم للشيوخ ، وقد ادرك الشعراني العصر المملوكي وفتح العثمانيين لمصر .. وظل نفوذه الفكري سائدا حتي الي عهد قريب بين الصوفية واتباعهم ،الا ان نفوذه الادبي اصيب في مقتل بظهور الدعوة الوهابية التي جددت فكر ابن تيمية واعادت الصراع الصوفى الحنبلي بعد طول انتظار.
في عصر ابن تيمية كان صراع الشرعيات السياسية البشرية قد اكتمل تحوله الي انواع متصارعة بين التدين وشارك ابن تيمية نفسه في قتال الشيعة والتتار للمسلمين ،وهذا التدين المختلف كرّس الاكراه في الدين والتكفير واستحلال قتل الاخر المسالم لمجرد ان تدينه مخالف للتدين السائد، وكان ابن تيمية نفسه ضحية لهذا المناخ بل انه عكس هذ المناخ في فتاويه الدموية .
ثم اصبح التصوف بعد ابن تيمية اكثر سيطرة واكثر رهبة للمنكرين عليه.
وهذا يغري بلمحة مقارنة بين ابن تيمية وابن عبد الوهاب تلميذه المتأخر الذى ظهر بعده بأربعة قرون .

مقارنة بين الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب :في التسليم بالتصوف واستحلال قتل الصوفية:
نلاحظ ان كليهما مع ثورته الحادة علي صوفية عصره الا انه يسلم لأولياء التصوف ويعتقد في ولايتهم وكراماتهم وشفاعاتهم ، يقول ابن تيمية (ان الصوفية مجتهدون في طاعة الله) ويقول عن الجنيد احد ائمة التصوف السابقين (فإن الجنيد قدس الله روحه كان من ائمة الهدى ..)غاية ما هناك ان ابن تيمية يري ان طوائف من اهل البدع قد انتسبوا للتصوف وليسوا منهم كالحلاج ويعتقد ابن تيمية في كرامات الاولياء حتي فيمن يعتبرهم من أولياء الشيطان .
وابن عبد الوهاب يري ان قوله تعالي(الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )ينطبق علي الاولياء الصوفية المقدسين في عصره ويري ان الواجب حبهم واتباعهم والاقرار بكراماتهم (ولا يجحد كرامات الاولياء الا اهل البدع والضلال ) الا انه يستنكر عبادتهم والاشراك بهم ،ويري ان الاولياء يشفعون يوم القيامة ، الا انه يمنع طلب الشفاعة من الاولياء مباشرة لأن ذلك شرك ولكن نطلب من الله سبحانه وتعالي لكى يأذن للأولياء بالشفاعة[24]. أى يجعل الله تعالى واسطة بين الناس والأولياء اذ يرى ابن عبد الوهاب انه يجب أن ندعو الله تعالى لكى يجعل الأولياء يتشفعون بنا، أى يكون الله تعالى وسيلتنا لشفاعة الأولياء، وفى هذا تفضيل للأولياء الصوفية على الله تعالى لم يقله الجاهليون الذين كانوا يعبدون الأولياء لتقربهم الى الله زلفى ، فجاء ابن عبد الوهاب يعكس الوضع .ومن الحمق ما قتل.!!
وكابن تيميه الذي افتي بقتل معارضيه علي أي خلاف فقهي واحيانا بدون استتابة ،وحتي لو تاب نري ابن عبد الوهاب يري قتال المشركين أي الصوفية وعوام الناس المعتقدين فيهم حتي ولو كانوا مسالمين لا يعتدون علي احد ، المهم انهم طالما اشركوا بالله بعبادة الاضرحة فهم كفار مستحقون للقتل، وهناك عبارة تتكرر في مؤلفات ابن عبد الوهاب تؤكد دائما علي( ان المشركين الذين قاتلهم رسول الله ..)وقد اجتهد في ايراد الادلة علي ان مشركي عصره اكثر كفرا من مشركي عصر النبوة ويؤكد ان النبي قاتل أولئك المشركين لمجرد انهم مشركون فاستحقوا القتل.
ومع ان منهج ابن عبد الوهاب الفكري يقوم علي قاعدة اكد عليها وهي (ان كلام الله لا يتناقض ،وكلام النبي –ص-لا يخالف كلام الله عز وجل) الا ان التراث الفكري الذي وصل اليه (عبر صراع الشرعيات السياسية وتحولها الي انواع متصارعة من التدين )كان هو الذي يحتل بؤرة، تفكيره خصوصا وانه كان يستشهد بأقوال الأئمة وعمل الصحابة [25].أي يستشهد بالشرعيات السياسية والتدين السني ووجهات نظره ، وقد وصل ذلك الي عقل ابن عبد الوهاب عبر تراكم استمر قرونا فاعتبره دينا حقيقيا.

تأثر ابن عبد الوهاب بالتراكم الفكري الذي تحول الي تدين :

خرج ابن تيمية علي مألوف عصره ،وكما قال عنه خصمه بن الزملكاني ان ابن تيمية (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد علي وجهها )وقال عنه ابن الوردي (أعان أعداءه علي نفسه بدخوله في مسائل كبار لا يحتملها عقول ابناء زماننا ولا علومهم )[26].
ومع ذلك فان ابن تيمية قاسي ما قاسي لانه اعترض ليس علي التصوف واوليائه الكبار ولا علي كراماته ولكنه أعترض علي بعض المشهورين بالتطرف في الكفر بين الصوفية ،فلم يغفر له عصره ذلك مع انه اكبر واشهر فقيه في وقته .
كل ما هنالك ان ابن تيمية اعاد تقديم التطرف الحنبلي في التكفير واستحلال دماء الخصم في فتاويه ليرد بالتدين الحنبلي علي التصوف أي انه واجه التراكم الصوفي باسترجاع التراكم الفقهي الحنبلي .وظل رد الفعل هذا لابن تيمية مجرد سطور من الفتاوي داخل كتبه لا تجد من ينفذها او يدعو اليها ،الي ان جاء ابن عبد الوهاب بعده بأربعة قرون.
وفي عصر ابن عبد الوهاب كان التصوف قد خنق الحركة العلمية والعقلية ،وكان التراكم الصوفى وتاثيره اضعاف ما كان عليه في عصر ابن تيمية ،وليس هناك مجال للمقارنة بين ابن تيمية ومدرسته الفكرية وبين الرسائل القليلة والصغيرة لتلميذه المتأخر ابن عبد الوهاب الذى كان يعيش فى نجد أكثر المناطق تخلفا وتوحشا . ومن هنا ردد ابن عبد الوهاب نفس كلام ابن تيمية دون تجديد ؛ سواء في التسليم للتصوف وكراماته وشفاعاته واوليائه الكبار ،وفي نفس الوقت فى تكفير الخصوم واستحلال دمائهم وتكفير الصوفية المعاصرين لهما .
الا ان ميزة ابن عبد الوهاب اتاحت له المزيد من الحركة بالتحالف مع أمير طموح هو ابن سعود فى الدرعية ، فتحولت آراء ابن تيمية وابن عبد الوهاب الي واقع سياسي ،أو شرعية سياسية. كانت هذه الآراء مجرد سطور فى كتب ابن تيمية ومن سبقه من فقهاء (التدين الحنبلي ) فأحياها التحالف بين الشيخ ابن عبد الوهاب والأمير ابن سعود، وتم تطبيقها بقولهما : الدم الدم .. الهدم الهدم . وبالدم والهدم أدخلت الدولة السعودية الوهابية فى شرعية سياسية أحيت أشد تراث العصور الوسطى تزمتا وتعصبا ودموية.،ودخل المسلمون بهذا التراث للعصر الحديث والعصر الراهن .
ان كلا من الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب نتاج طبيعي لعصره ،وقد ورث عصرهما انواعا من التدين كانت لها شرعية بشرية تقوم على الاستحقاق القائم على القوة ،وبموجبها يستحل الخصم قتل الخصم متهما اياه بالكفر .والقوي منهما هو الذي يفرض شروطه ،واستطاع الصوفية ان يفرضوا شروطهم علي ابن تيمية وهو استاذ عصره فانزوي في السجن يكتب فتاوية الملتهبة .بينما استطاع ابن عبد الوهاب بقوة ابن سعود أن يفرض شروطه علي خصومه لأنه عقد تحالفا مع قوة عسكرية طموحة اقتنعت بآرائه وعزمت علي ان تفتح بها بلاد المشركين أي خصومهم المسلمين .


المصادر والمراجع :

1-تاريخ ابن كثير ط.بيروت 6/311:312 نقلا عن كتاب حد الردة د.احمد صبحي منصور صـ59 ط.القاهرة 1993.
2-ابن سعد ت (222)هـ الطبقات الكبري .القاهرة 3/145.(دارالتحرير1968)0
3-تاريخ الطبري :ط4.ابو جعفر محمد بن جرير(224-310هـ)تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم
القاهرة 4/317-،330-،283،326،340-349،493-،500-191-،202،255،284.
4-تاريخ الخلفاء . السيوطي(جلال الدين السيوطى) ط القاهرة 347:348تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم
5-عبد الجبار المعتزلي :طبقات المعتزلة 334،330،333 نقلا عن :حرية الرأي بين الاسلام والمسلمين :د.احمد صبحي منصور :بحث في نشرات المنظمة المصرية لحقوق الانسان :حرية الرأي والعقيدة :79:80.
6-حرية الرأي –المرجع السابق 81:83.
7-تاريخ الخلفاء للسيوطي30:37 .
8- الوابل الصيب من الكلم الطيب77القاهرة1952ابن القيم الجوزيه ت 751هـ .
9-الهمداني :جوامع التاريخ جـ280:278ترجمة صادق نشات واخرون القاهرة1960
10-تاريخ الخلفاء للسيوطي 420:421.
11-ابن البرازى :مناقب ابن الحنفية 2/17،تاريخ الكامل لابن الاثير 5/217.نقلا عن حد الردة 71:72.
12- هناك بحث رائع للدكتور مصطفي كامل الشيبي ،بعنوان (الصلة بين التصوف والتشيع .كان رسالته في الدكتوراه وقد اوفي الموضوع حقه ،وهو منشور ،دار المعارف، القاهرة .
13-د.احمد صبحي منصور :الحسبة بين القرآن والتراث :القاهرة :دار المحروسة :صـ13.
14-ابن الجوزي عبدالرحمن بن على :مناقب ابن حنبل 339،346بيروت ط1،تحقيق محمد ومصطفى عبدالقادرعطا
المنتظم 11/43 ،تاريخ الطبري 8/631:645.
15-ابن الجوزي : المنتظم 11\163:165،تاريخ الطبري 9/135:140.
16-تاريخ الطبري 9/161،ابن الجوزي: المنتظم11/206،283،222،238،265،270.
17-المنتظم13/201.
18/المنتظم14_46،،75،84،109،118،109،126،140،150،155،356،363،15/14،32،37،85،82،91،120،125،128،97،167،197،204،213،219،222-مجرد امثلة وعن موقفهم من الطبري
:الوافي بالوفيات 2/284.صلاح الدين بن خليل بن ايبك الصفدى:طـ2تحقيق س0ديدرنغ1981طـ0المانيا
19-تلبيس ابليس :164،166،167.القاهرة0بدون تاريخ
20-المرجع السابق :155،156،164،169،215،253،256،268،338،352.
21- ابن ايبك الداودار:سيرة الملك الناصر 133:138،143،154،146،150:151القاهرة1960.
،المقريزي احمد بن على،السلوك تحقيق د مصطفى الزيات دارالكتب المصرية2/1/185،215،
تاريخ ابن كثير 14/46:50،53:60،،123:124،ابن حجراحمد بن على :الدرر الكامنة 1/166،
القاهرة1966تحقيق محمد جادالحق ،ابو المحاسن جمال الدين ت874:النجوم الزاهرة 9/83تحقيق فهيم شلتوت القاهرة (1938_1972) ،تكسير الاحجار .
مخطوط بدار الكتب 404مجاميع تيمورية .
22-ابن تيمية مجموعة فتاوي بن تيمية جـ 1،359،366،جـ 2\50،52 طـ السعودية 28\555،35\110 ورسالة الحسبة :7،10،48،50،53،طـ 0القاهرة
23-تاريخ البقاعي :مخطوط بدار الكتب مجلد رقم 5631تاريخ ورقات رقم 8،9،54،56،134،135،تاريخ ابن الصيرفي على بن داود :ت900هـ:انباء الهصر تحقيق حسن حبشى 186،190،256:257،508:509،
القاهرة 1970 تاريخ ابن اياس :بدائع الذهور 2/119،120،121.ط01311هـالقاهرة
24-ابن عبد الوهاب كشف الشبهات 8،،10،38.ابن تيمية :رسالة الصوفيه والفقراء16،الفرقان بين اولياءالرحمن واولياء الشيطان
99،100،141ط0صبيح القاهرة الرحمن واولياءالشيطان
25-كشف الشبهات 6،3،4،6،10،11،12،14،15.
26-تاريخ ابن الوردي : زين الدين عمر2/288:289.ط مكة 1930
التسامح الاسلامى بين مصر وامريكا

الأخ جون هنرى ووتن رأت عيناه النور وليدا فى 27 مارس سنة 1950 فى ولاية نيوجيرسى الأمريكية لأسرة أمريكية سكسونية ثرية، وبعد حصولة على أرفع الدرجات العلمية عمل فى السلك الدبلوماسى الأمريكى حيث حل به المطاف فى السفارة الأمريكية بالقاهرة فى أوائل الثمانينيات الماضية. اعتاد وقتها تناول وجبة سريعة فى كافتيريا أقرب فندق للسفارة ليس لأنها الأقرب لمكان عمله ولكن لأنه أصبح أسيرا لعينى "سهام" وهى حسناء مصرية حاصلة على باكلوريوس سياحة وفنادق وتعمل فى تلك الكافتيريا.
أعتاد مارتن أن يذهب للكافتيريا حتى لولم يكن جائعا، واعتاد أن يترك بقشيشا ضخما باسعار ذلك الوقت "عشرون دولارا" لكى يجذب انتباة المصرية السمراء الحسناء. وفعلا جذب اليه اهتمامها وقلبها أيضا. ومن اجل أن يظفر بالزواج من المحبوبة قرر جون هنرى ووتن أن يعلن اسلامه وأن يتسمى باسم "شريف" . وتم الزواج الشرعى الاسلامى والأمريكى الرسمى فى عام 1984. كان زواجا سعيدا مباركا بكل المقاييس نعم فيه شريف أو جون هنرى ووتن بتفانى زوجته واخلاصها، ورزقهما الله تعالى بفتاتين جميلتين ، وبفضل خصال الزوجة الحميدة ونقائها وعفتها دخل الزوج الأمريكى فعلا فى الاسلام عن حب واقتناع محافظا على أفضل العلاقات مع والديه واخوته وسائر اسرته ، وهم جميعا قد باركوا هذا الزواج محترمين حرية ابنهم فى اختيار دينه وعقيدته وزوجته.
كان كل ما ينقص الزوجة سهام بعد استقرارهم فى أمريكا أن تتوثق صلة زوجها باحدى المراكز الاسلامية لتشعر بأن لها أهلا تتباهى بهم وهى وسط عائلة زوجها الكبيرة ، وكان الزوج فى نفس حرص زوجته على أن يكون لهم أصدقاء من المسلمين ، ولكن فشلت مساعيهم برغم اللحية التى تزين وجه شريف أو جون سابقا .
ثم أصيب الزوج بالسرطان وقضى خمس سنوات تقريبا يقاومه بكل ما استطاع من اصرار وبما يمكن أن يقدمه العلم فى هذا المضمار، ولكن كالعادة انتصر المرض اللعين وتمكن من جسده والزمه البقاء فى السرير طيلة العام الأخير من حياته. كان ينتقل من سرير المستشفى الى سرير البيت ، ومع ذلك كان يجد وقتا بين آلامه وأحزانه ليستمتع بالنظر الى ابنتيه الجميلتين ووجه زوجته المخلصة التى تفانت فى خدمته فى محنته سعيدة بكل كلمات الامتنان التى يقولها عنها امام الأهل والأصدقاء. بكل وفاء الزوجة المصرية ـ بكل وفاء ايزيس الفرعونية ـ قدمت سهام كل ما تستطيع لاسعاد زوجها . كان يسعدها ان يبتسم لها وللآخرين اذا سألوه عن حالة وآلامه قائلا باللغة العربية "الحمد لله".
الشىء الوحييد الذى طلبه زوجها الحبيب منها ولم تستطع تلبيته برغم كل ما بذلت من جهد هو أنه كان يريد منها أن تحضر له شيخا مسلما عربيا يقرأ على مسامعه القرآن الكريم باللغة العربية حيث يكون للقرآن سحر يعرفه ويتمنى أن يصحبه هذا السحر فى آلامه ورحلته الآخيرة قبل أن يلقى الله تعالى. كان الى جانبهم أكبر مسجد يعج بعشرات المحتالين والأفاقين أصحاب اللحى المهابة . لم يجد أحدهم وقتا لتلبية رجاء تلك السيدة وزوجها . رجعت مكسورة ومعها أشرطة للقرآن الكريم تستغنى بها عن خدمات اولئك المحترفين . كان الزوج يريد صديقا مسلما عارفا بالقرآن الكريم يشرح له المعنى القرآنى بالانجليزية ولكن مات دون أن يتيسر له ذلك .
بل مات دون أن يعرف ما هو أفظع عن "إخوته فى الاسلام".
مات جون هنرى ووتن الشهير بـ "شريف" يوم 8 يناير 2005. وتم دفنه اليوم الخميس 13 يناير ، قبل ساعات من البدء فى كتابة هذا المقال. وفيما بين وفاته الى ساعة دفنه رأت السيدة سهام صفحة أخرى من نذالة اولئك الشيوخ المحترفين.
أصرت على أن تخرج جنازته من المسجد لتقيم صلاة الجنازة عليه بين اخوانه المسلمين فلم تجد فى المسجد من يسمع لها . كان من الطبيعى أن يرفض الشيوخ مجىء اهله المسيحيين ونساءهم "الكاسيات العاريات" الى المسجد لحضور جنازته فيه. أكثر من ذلك لم تجد شيخا يقيم عليه صلاة الجنازة فى المستشفى أو البيت. احتارت ماذا تفعل وجاءها الفرج سريعا من أقرب كنيسة لذلك المسجد. عرضت عليها الكنيسة أن تستضيف جثمان الزوج وأن تقيم له جنازة اسلامية وعزاءا اسلاميا بكل التفصيلات.
كان هذا حلا مؤقتا الا ان الزوجة المسلمة بقيت فى قلبها غصة لن تتخلص منها الا بالعثور على شيخ مسلم يحضر الجنازة ويصلى عليه وفق ما يطمئن له قلبها. وهكذا عن طريق احدى الصديقات سمعت زوجتى بالموضوع وعرضت علي أن أقوم بالواجب الذى تقاعس عنه الشيوخ المحترفون الأنذال. ورحبت. وفى الصباح الباكر كنت ـ ومعى زوجتى ـ فى الكنيسة انتظر وصول المسئول الأول فيها والذى سيتولى ترتيبات الجنازة والعزاء فى الكنيسة وفى الدفن. وفوجئت بأن المسئول سيدة فاضلة ، اذ ان الكنيسة المذكورة تتبع المذهب البروتستانتى الذى منح المرأة الحق فى تولى المناصب الكهنوتية. جاءت الينا ورحبت بنا بكل حرارة ومودة على اننا من المسلمين معارف الزوجة ، فلما قدمت نفسى لها على اننى الشيخ الذى جاء للصلاة على الفقيد كان ترحيبها طاغيا جعل الدموع تغطى وجهها مما أشعرنى بالخجل من نبلها وتسامحها مع وجود اولئك الشيوخ الأنذال فى مسجدهم على مقربة منها.
بكل التفاني الأمريكي فى العمل أخذت السيدة الفاضلة تشرح لى كيف أعدت برنامج الجنازة والعزاء. كان البرنامج من صورتين: احداهما على فرض عدم وجودى وحينئذ ستقوم هى بكل المطلوب. وقد أعدت خطابا دينيا بالانجليزية تضمن الآيات القرآنية المناسبة لهذا المقام، وأعدت ترجمة رائعة للدعاء للمتوفى وللصلاة عليه. وكانت متأهبة لعمل ذلك بنفسها ان لم أحضر. وفى حالة حضورى فالصورة الأخرى من البرنامج هى نفسها الصورة ألأولى ما عدا وضع اسمى وحريتى المطلقة فى التعديل. وفى كل الأحوال فقد جهزت السيدة الفاضلة الكنيسة بأشرطة صوتية عربية من القرآن المرتل ، بالاضافة الى أدعية مسجلة باللغة العربية. وبعد الشرح المفصل قالت لي: اذا كان منظر الصليب فى القاعة يؤلمك فمن الممكن حالا أن نغطيه حتى لا يجرح مشاعرك!! .رفضت ولم استطع كتمان الدموع فى عينى.. أالى هذا الحد يوجد النبل والتسامح. قالت زوجتى أنها المرة الأولى التى ترى فيها دموعى. قلت : انه دين التسامح الاسلامى الذى أومن به ولم أره بين المسلمين وأجده هنا فى هذه الكنيسة الأمريكية، هذا بينما المسجد القريب منها بشيوخه الأنذال يلعن الأمريكيين فى كل صلاة وهو على أرضهم وفي حمايتهم ويتلقى صدقاتهم.
كانت السيدة مصممة على أن أصعد معها على المنصة نقدم معا كلمات العزاء والعظات، وكان هذا النبل فوق ما تتحمله أعصابى وأنا أتذكر قصة اضطهادى المؤلمة فى مصرأنا ومعي القرآنيين المسلمين وأقارنها بما أراه هنا. اكتفيت بالصعود للمنصة فقط عندما كان يأتى دورى فى القاء الخطبة باللغتين العربية والآنجليزية.
بدأت هى بالحديث عن قصة حياة المتوفى وتاريخه وكيف التقى بحبيبته سهام وكيف اسلم من اجلها لكى يتزوجها، وكيف وجد فى الاسلام ما كان يريد من صفاء روحى، وكيف عاشا زوجين سعيدين معا وكيف اعطت سهام مثلا اعلى للزوجة المسلمة وكيف كان الراحل ابا مثاليا وزوجا مخلصا وابنا بارا بوالديه، وكيف كان ايمانه عظيما بالله. كانت تنطق اسم الله باللغة العربية حرصا على اعطاء الجو الاسلامى فى جنازة "شريف" المسلم.
هذا التسامح الأمريكى كان شديد الوطأة على مشاعرى الى درجة أخافتنى من ألا استطيع التماسك حين أصعد للمنصة، خصوصا واننىسأحدثهم بلغة هى غير لغتى . لأخرج من انفعالى بما أرى اغرقت نفسى فى تساؤلات ساخرة: هل أنا الآن فى كنيسة أمريكية أم فى مسجد؟ وهل قام الأخ عمرو بن العاص ـاو حتى الأخ عمرو بن خالدـ بفتح امريكا وتحويل كنائسها الى مساجد؟

صليت عليه صلاة الجنازة وخلفي زوجتى وسهام وبعض صديقاتها المسلمات، وحضر أخ هندى مسلم شارك فى الصلاة. القيت موعظتين فى الكنيسة وموعظة أخرى على قبره عند الدفن. في الكلمة الاولى اعتذرت نيابة عن من تخلف عن الحضور، وأنا أقصد الشيوخ الأنذال فى المسجد القريب، وقرأت عليهم بالعربية الآية13 من سورة الحجرات "يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. ان أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبي" ثم شرحت معناها بلانجليزية. حيث يقرر رب العزة جل وعلا اننا جميعا اخوة متساوون ننتمى لأب واحد وأم واحدة برغم الاختلافات بيننا، وان الله تعالى جعلنا مختلفين فى اللون واللغة لنتعارف لا لكى نتقاتل ، فالتعارف السلمى بين الشعوب والثقافات هو الذى يوسع مدارك البشرية ويؤكد التراحم بين ابنائها, وقلت بعضنا يفضل نفسه باللون او الثروة او بالقوة والجاه , ولكن التفضيل الحقيقى عند الله تعالى مقياسه التقوى فقط . فأكرم البشر عند الله تعالى هم أكثرهم تقوى . والتقوى تعنى الأيمان الحق بالخالق جل وعلا وحده الاها لاشريك له، والمثابرة على العمل الصالح النافع للمجتمع والناس. وحتى لا يزعم بعض الناس انه تقى ويتاجر على الناس بهذا الادعاء فان الله تعالى يؤكد فى هذه الآية على أنه وحده الذى سيحدد من هم المتقون طبقا لأعمالهم وايمانهم ، وسيحدث ذلك يوم القيامة فقط . والى أن يأتى هذا اليوم دعونا نعش فى تسامح ومحبة نطبق هذا الدرس الذى تعلمناه من هذه الكنيسة التى استضافت جنازة مسلم نبيل وأكرمت أهله وزوجته.
فى الكلمة الثانية قلت لهم : هناك الاسلام المنسى المحفوظ فى هذا القرآن والذى يمكن أن تتعرف عليه اذا قرأت القرآن ـ وليس ترجمته ـ اى باللغة العربية وفهمته وفقا لمصطلحاته ومفاهيمه. وتدليلا على ما قلت قرأت لهم الآيات من 10 الى 13 من نفس سورة الحجرات والتى تحث على مكارم الآخلاق. وفى كلمتى الأخيرة عند الدفن ذكرت لهم بعض حقائق الموت المذكورة فى القرآن وكيف سيقابلها كل منا حتما حين الاحتضار.
أدهشنى حسن استماعهم وتقبلهم ما أقول لهم عن دينى ومجىء معظمهم الى شاكرا ممتنا سعيدا بما عرفه منى عن الاسلام مشيدا به معترفا بفضلى على قبولى المجىء للكنيسة. وكان فى مقدمتهم اهل المتوفى ، وقد بكت والدته كثيرا أمامى تشكو فقد ابنها هذا وآخر من قبله ثم زوجها وتطلب الدعاء لهم !! وبعد مراسم الدفن كان هناك حفل عزاء أقامته الكنيسة فى داخلها وقامت بتكليف مطعم مصرى باعداد الطعام على الطريقة الاسلامية، وكان المدعوون هم صديقات سهام وزملائها فى العمل ومن يشاء الحضور من المسلمين . اعتذرت عن عدم الحضور لانشغالى وعدت لبيتى أكتب هذا المقال .

أقول: حقيقة ما أعظم هذا الشعب الأمريكى الطيب المتسامح ..
وتتابعت الصور فى خيالى تقارن وتطرح اسئلة مؤلمة:
1- تخيل أن مصريا نصرانيا أسلم فى مصر هل سيظل يتمتع بمودة أهله طيلة حياته؟ هل اذا مات مسلما وتبرأ منه الطغيان السلفى الوهابى ورفض المشاركة فى الصلاة عليه ودفنه، هل يمكن لكنيسة مصرية أن تقيم له فى داخلها جنازة اسلامية وعزاءا اسلاميا؟؟
فى الاجابة على هذا السؤال بالذات أتذكر صديقى القس ابراهيم عبد السيد أكبر مصلح كنسي فى تاريخ الكنيسة القبطية فى العصر الحديث والذى عاش مغضوبا عليه من البابا شنودة، وحين مات رفض البابا شنودة إقامة جنازة مسيحية له فى أى كنيسة قبطية. ولم يقف الى جانبه فى جنازته الا مركز ابن خلدون ورواق ابن خلدون إذ كان من رواده وأعمدته.
لسنا فى معرض المناقشة للتعصب المسيحى فى مصر وهو بلا شك موجود فى المجتمع القبطى فى مصر والمهجر، الا انه فى النهاية رد فعل لاضطهاد سلفى وهابى سمم العلاقة داخل النسيج المصرى الواحد حين وصل بالاضطهاد الى درجة استحلال الدماء والاموال. والاستحلال احدى الموبقات الكبرى للتشريع السلفى والتاريخ النجدى وليس المصرى، ولكن ارساه الفكر الوهابى فى مصر المشهورة بتسامحها بفضل النفوذ السعودىوريالات النفط . وسيأتى الحديث عن ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى.

2-تخيل مسلما مصريا تنصّر؟ هل كان سيعيش مكرما فى بلده الى أن يموت وسط اهله محاطا برعايتهم؟ أم أن حد الردة المزعوم سيطارده وينغص عليه حياته ان نجا منه؟ أو على الأقل سيتعرض للاتهام المأثور "ازدراء الدين" ومقصود به تحديدا وتطبيقا المذهب الوهابى المتخلف والذى يناقض الاسلام فى حقائقه وعقيدته وتشريعه؟؟ وفى كل ألأحوال سينزل ضيفا على أمن الدولة يتمتع من حسن الضيافة ما ينسيه اسمه ولقبه بحيث لا يتذكر الا جدول الضرب ومواعيده وطقوسه؟؟ على أية حال أتذكر هنا أنه حين القبض علينا واعتقالنا بالتهمة الكوميدية "انكار السنة" سنة 1987 وأثناء جولات التحقيق معنا بمعرفة نيابة أمن الدولة العليا التقينا بمتهم آخر يتم التحقيق معه بتهمة التنصر، وتنهمك المنظمات العالمية فى الدفاع عنه بينما لا نجد من يواسينا فى مصابنا نحن القرآنيين داخل السجن وخارجه حيث تنهش الصحافة الرسمية والحزبية أعراضنا وتفترى الأكاذيب علينا وتنقل فتاوى الشيوخ الأنذال بتكفيرنا واستباحة دمائنا. حين التقينا صدفة بذلك المسلم الذى تنصر ونحن جميعا فى عربات الأمن المركزى مقيدى الأيدى بالأصفاد ـ ايدينا نحن التى لم تسرق ولم تقتل ولم تمتد بالأذى لأحد، وليست أيدى الطغاة والناهبين لثروة الشعب والغاصبين لحقوقه وكرامته ـ قال ذلك الأخ المتنصر لنا: ان حالكم اسوأ من حالى ووضعكم أخطر من وضعى. وفعلا تم الافراج عنه سريعا وظللنا بعده فى الأصفاد حوالي ستة اسابيع.
3- لذا أقول : تخيل مسلما ينتمى الى مذهب آخر غير الوهابية ويعيش تحت سيطرتها بسبب حظه الأسود التعس هل يستطيع أن يقيم شعائره المذهبية وفقا لما يعتقد انه الاسلام الصحيح لديه ؟ الجواب تجده مسطرابآلام الشيعة الذين يضطهدهم الوهابيون ليس فقط فى داخل الدولة السعودية بل أيضا داخل السيادة المصرية وفوق التراب المصرى بسبب النفوذ السعودى فيها .هذا النفوذ السعودى بريالاته اللعينه هو المسئول ليس فقط عن اضطهاد الاقباط المصريين داخل بلادهم بل ايضا الشيعة المصريون داخل بلادهم ، ثم القرآنيون المصريون ايضا داخل بلادهم . وهنا تأتى محنة القرآنيين المصريين التى لايذكرها أحد بسبب التعتيم الاعلامى حولها فى الداخل والخارج .
لسنا هنا فى مقام التفصيل ولكن لاعطاء فكرة سريعة للمقارنة:
فى أوائل الثمانينيات كنت الخطيب الأول لجماعة دعوة الحق الآسلامية وهى جمعية سنية معتدلة يتزعمها منشئها صديقى وقتها الدكتور سيد رزق الطويل الاستاذ بكلية الدراسات الاسلامية بالأزهر والذى كتب مقدمة أول كتاب لى "السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة" سنة 1982 مشيدا بى وبصبرى على اضطهاد الصوفية فى داخل وخارج الأزهر فى ذلك الحين . كانت السعودية تنفق على تلك الجمعية وقد أقامت لها مسجدا فخما فى حى الدقى الراقى بالقاهرة، وكانت الجمعية تصدر مجلة شهرية هى الهدى النبوى. واثناء اعارة الدكتور الطويل الى السعودية اسند الرئاسة لأخيه ليحتفظ بالجماعة فى يده حين غيابه، الا أن ادارة الدعوة والمجلة كانت معى ويشاركنى فيها أخى الآصغر وهو الآن استاذ بجامعة القاهرة والاستاذ د. عبد القادر سيد أحمد الذى كان عميدا لكلية الصيدلة فى جامعة القاهرة أيضا، وكنا نعمل بدون أجر. وقتها كنت أراجع الفكر السنى وأعرضه على القرآن الكريم ولأجل هذا رفضت الآعارة للسعودية مع حرصهم على اعارتى بسبب شهرة كتابى "السيدالبدوى" وهجومى اللاذع للصوفية من داخل تراثهم.
وصل بحثى سنة 1985 الى انكار شفاعة النبى محمد والنهى عن تفضيله على الأنبياء، وخلود المسلم العاصى فى النار ـ العاصى اىالذىيظل عاصيا ويموت عاصيا دون توبة. واعلنت ذلك فى كتبى التى قررتها على الطلبة فى جامعة الأزهر، وفى خطبى فى مساجد جماعة دعوة الحق المنتشرة من القاهرة الى الجيزة وطنطا ودمياط . وثارت مناقشات اسفرت عن اقتناع اعضاء الجمعية ومجلس ادارتها وجمهور المصلين المواظبين على الصلاة فى تلك المساجد. وعلى عجل عاد الدكتور سيد الطويل ومعه منحة نفطية لكل الدعاة تصل الى 700 جنيه مصرى للخطيب العادى، وبسرعة أيضا تم عقد اجتماع عاجل لكل أعضاء الجمعية ومجلسها العام وأعضاء الفروع والأقاليم وحضرت أيضا لأفاجأ بهجوم شديد على اتجاهى الجديد تزعمه بعض اولئك الذين كانوا الأكثر حماسة فى تأييد ما أقول . وفهمت الموقف على حقيقته لأنه فى ذلك التوقيت بالضبط كان قرار الجامعة الأزهرية قد صدر بوقفى عن العمل ووقف كل مستحقاتى المالية ومنعى من الترقية ومن السفرومصادرة كتبى واحالتى للتحقيق. قدمت استقالتى غير آسف من تلك الجمعية التى يباع فيها الدعاة الأفاضل بسبعمائة جنيه فقط !! وهكذا اخرجونى من مساجدهم وجمعيتهم التى ترفع شعار الدعوة للحق. قلت فى نفسى : لا بأس هى دعوتهم وتلك مساجدهم ..

ثم قام صهرى الحاج محمد الباز يرحمه الله تعالى ببناء مسجد فى مدينة الابراهيمية فى محافظة الشرقية حتى أقوم بالخطابة فيه ، وتم افتتاحه فى حفل ضخم. واعتدت السفر اسبوعيا من القاهرة الى هناك لخطبة الجمعة والصلاة . وكان أهلى الذين يعيشون فى قرية "أبوحريز" يحضرون الصلاة معى بسبب قرب المسافة. ولكن أمن الدولة فى محافظة الشرقية ومعهم الأزهر والنفوذ السلفى كانوا لنا بالمرصاد يخلقون المشاكل، وبعد موت صهرى يرحمه الله تعالى قامواومعهم المتطرفون بالأستيلاء على المسجد وضمه سريعا للاوقاف لاخراجى منه. وهكذا أخرجونى وأهلى من مسجد نحن الذين بنيناه لنصلى فيه لوجه الله تعالى .
اعتدنا أن نصلى الجمعة فى بيوتنا او فى مكاتبنا كيفما اتفق الى أن جاءتنا فرصة لنصلى الجمعة ببعض العاملين فى برج ضخم فى شارع احمد عرابى بالدقى، وحمدنا الله تعالى أن وجدنا مكانا نصلى فيه الجمعة بهدوء بعيدا عن المشاكل ، الا أن ذلك لم يدم طويلا فسرعان ما أتت التحذيرات منا ، وحرصا على عدم الاحراج تركنا المكان شاكرين للموظفين الطيبين حسن استضافتهم لنا.

ثم عثر صديق لنا على مسجد تحت الانشاء يقوم على بنائه شخص بمفرده هو الذى يجمع التبرعات وهو الذى يقوم بالبناء وهو الذى يؤم الناس للصلاة ، والمسجد يقع فى أرقى حى فى مصر . يقع على نيل الزمالك فى ابو الفدا. ورواد المسجد من علية القوم والسفراء والأثرياء والسعوديين وغيرهم ، والتبرعات للمسجد على قدم وساق كى يكون المسجد ردا عمليا على الكازينوهات القريبة منه. الا أن رواد المسجد كانوا يتضررون من الآخ فوزى الذى لا يفقه شيئا فى الدين ومع ذلك فهو الذى يؤم الناس ويخطب الجمعة . وهكذا كان الحل المناسب للجميع أن اتبرع بخطبة الجمعة بدلا من الأخ فوزى. كانت فرصة هائلة لنا عزمنا على استغلالها بحكمة حتى لا تضيع . لذلك كانت خطبى وفق منهج متدرج مدروس تسير بالمستمعين رويدا تدعوهم الى تعقل القرآن والاحتكام اليه فى كل قضية وعلى اساس حرية المستمع فى القبول والرفض. وحين بدأت فى طرح القضاياالشائكة على استحياء وقف احد كبار رجال الحى ثائرا معترضا فاختلى به الأخ فوزى " صاحب المسجد " واعطاه بعض كتبى التى صادرها الأزهر وقال له : اقرأها أولا ثم قل رأيك " . فى الأسبوع التالى كان المهندس محمد محمد خير الخطيب ـ يرحمه الله تعالي ـ وهو من كبار المثقفين ورجالات الصناعة الهندسية فى مصر يقف فى المسجد بعد صلاة الجمعة يعلن اعتذاره ويثنى على كتبى التى قرأها . ومن وقتها أصبح نصيرا لنا الى وفاته .

كنت اصلى معهم الجمعة ثم أعود الى شقتى فى أحد الأحياء الشعبية فى القاهرة لا أدرى عما يحدث فى المسجد ولا شأن لى بذلك حيث يتحكم الأخ فوزى فى كل شىء. الا ان وجودى فى المسجد جعله أكثر شهرة خصوصا وقد كان بعض رواده من الصحفيين وقد كنت قد بدأت فى التوغل فى القضايا الخلافية الملتهبة اطرح فيها الرأى القرآنى وينعكس رد الفعل فى بعض صحف القاهرة، مما زاد فى الرواد وازداد بالتالى ما يحصل عليه الاخ فوزى من التبرعات ومعظمها من الأثرياء العرب الذين يحلو لهم استئجار الشقق فى تلك المنطقة الثرية. والأخ فوزى يرفض باصرار أن يحول المسجد الى جمعية طبقا لما يمليه القانون ، بل يرفض اكمال البناء فى المسجد ، بل رفض امامى عرضا بأن يتخلى عن عملية البناء وسيقوم بعض الاثرياء باستكماله على نفقته دون أن يكلف فوزى شيئا. كان الواضح ان السيد فوزى يريد ان يظل المسجد مجرد حيطان فى هذا المكان الفخم ليكون سبوبة وبقرة حلوب تدر علية الالاف . حاول اهل الحى معى أن أتدخل حيث أن معظم التبرعات الجديدة والهائلة تأتى على أساس اننى القائم على المسجد وليس فوزى الذى يحرص يوم الجمعة على التوارى ومراقبة المتبرعين وصناديق التبرع . رفضت التدخل مؤكدا ان مهمتى لا تتعدى الخطبة و صلاة الجمعة .
باصرارى على عدم التدخل كشفوا لى المستور مما يستحيل معه أن استمر فى الذهاب الى ذلك المسجد الا اذا وقفت معهم فى اصلاحه وتطهيره من الأخ فوزى . أحضروا لى صحيفته الجنائية وسوابقه الاجرامية, قالو انه يستخدم حيطان المسجد ليلا فى أغراض منافية للاداب, وانه يستجلب العاهرات للسعوديين ومنهم رواد للمسجد ، ياخذ منهم تبرعات للمسجد يكفرون بها عن خطاياهم ، كما ياخذ منهم أيضا اتعابه على خدماتة الليلية الأخرى ، وانه يملك اراضى زراعية هائلة فى صحراء الاسماعيلية بما يجمعه من تبرعات. هالنى ما سمعت وقررت قطع صلتى بمسجد فوزى وبالزمالك كلها.
بعدها عثر أصدقاؤنا على قطعة ارض خلاء صغيرة فى منطقة الصحفيين بالدقى. وسرعان ما افترشوها واستدعونى للصلاة فيها ، ومن تبرعاتنا القليلة بدأنا تسويرها وأعددنا طلبا للشئون الاجتماعية لاشهار جمعية رسمية تتولى رعاية المسجد وفقا للقانون . وأقمنا فيه صلاة الجمعة وحرصا منا على الاستقلال قررنا أن يقام المسجد بجهودنا نحن فقط وبمواردنا القليلة. منا من تبرع بالمال ومنا من تبرع بالعمل فى البناء أو فى شراء مواد البناء، وتحول السور الى حيطان وابواب وشبابيك وارتفعت لافتة المسجد تحمل اسمه " مسجد الفرقان " وتسامع به القرآنيون فاتوااليه من القاهرة والاقاليم . وكان أهل الحى معنا وليسوا ضدناالى أن تدخل الشيطان السلفى باعوانه. فوجئنا بجماعات التطرف تقتحم علينا المسجد تهتف ضدنا وتصرخ فى وجوهنا ، فى نفس الوقت الذى اعترض أمن الدولة على التصريح لنا باشهار جمعيتنا واحتفظ بقائمة الاعضاء لحين القبض علينا، وأحسست بالخطر تتجمع نذره فتركت الخطبة فى المسجد ليستولى عليه السلفيون ويخرجوننا من آخر مسجد بنيناه بأيدينا.
كان اعتكافى فى بيتى وانقطاعى عن المسجد ضربة لمخططاتهم حيث كانوا يريدون حضورى ليفتعلوا معركة بين المتطرفين المهاجمين والقرأنيين أصحاب المكان تكون مبررا وقتيا لاغتيالى أو للقبض علينا . فلما تركنا لهم المسجد عمدوا الى حيلة أخرى استخدموا فيها بعض ابناء الحى الذين كانوا يظهرون لنا المودة ، جاءوا الى منزلى يرجوننى أن أحضر مناظرة فى المسجد ويتعهدون بسلامتى ، وحضرت الندوة وحضرها رجال من القرآنيين للدفاع عنى . وبدأت المناظرة بشيخ من الآزهر وقف يقول الكلام المعهود الممل وجاء دورى فرددت عليه وافحمته بالقرآن وعلوم الحديث ايضا ، فانسحب مكسورا حسيرا وعندها فوجئنا بهجوم الشباب المتطرف علينا باسلحته . كان المسجد ممتلئا بمواد البناء التى اشتريناها وكدسناها ثم تركناها ولكن يعرف مكانها اصحابى, وهكذا عندما بدأ أعتداء المتطرفين هب فريق من القرآنيين لحمايتى وحملونى الى الطريق بسرعة واركبونى تاكسيا , ورجعوا ليجدوا اخوانهم قد جمعو أعمدة الحديد المسلح والخشب والدبش . وراى المتطرفون انفسهم فى مواجهة من لا يخاف الموت ففروا. والطريف ان جريدة اخبار اليوم فى تعليقها على القبض علينا والذى تم بعدها بقليل ذكرت معركة المسجد بالتفصيل ولكن افترت ان القرآنيين هم الذين فروا , وليس المتطرفين الارهابيين . على أية حال لم تغير هذه المعركة شيئا , كانت مقدمة مفتعلة للقبض علينا. واخراجنا من المسجد الذى بنيناه ، وهو لا يزال قائما حتى الآن ، كل ما هناك انهم غيرو ا اسمه من مسجد الفرقان الى مسجد الفرقان والسنة .
فى التسعينيات وحتى الآن هجرت كل المساجد مكتفيا بالصلاة فى بيتى ومعى أهلى وأصدقائى. لكن ذلك لم يعجبهم أيضا . جهزت الطابق العلوى فى بيتى فى القرية ليصلح للصلاة. وكانت العادة أن يحتفى بى أهلى عندما اسافر البلدة. جعلت سفرىالشهري للبلدة فى يوم جمعة لنصلى معا ـ كل افراد العائلة والأهل ذكورا واناثا . وبعضهم من ذرية جدى المباشر الذى تزوج اربعة من النساء وانجب 16 ولدا وبنتا انجبوا اكثر من مائة شخص له بيته وابناؤه. فى نفس الوقت كان بعض القرآنيين يأتى ليصلى معى الجمعة فى بيتى بالقاهرة فى الأسابيع الأخرى .
لم تكن مشكلة امام الشيطان السلفى ان يخرجنا من بيوتنا التى نصلى فيها طالما وجد اتباعا له فى أمن الدولة المفروض عليهم أن يقوموا بحماية أهلى المسالمين الذين لا شأن لهم حتى بحقوقهم السياسية ايثارا منهم للسلم والبعد عن المشاكل. بدلا من ذلك كان من موظفى أمن الدولة من تبيح لهم ضمائرهم وفروسيتهم وشهامتهم أن يعتقلوا ويعذبوا مسلمين مسالمين يصلون لربهم فى بيوتهم ابتعادا عن المشاكل والاضطهاد والملاحقة. فاذا بالملاحقة البطولية تقتحم عليهم بيوتهم وتنكر عليهم صلاتهم بتهمة خطيرة ، كانوا يعذبون من أجلها من اعتقلوه من اهلى : لماذا لا تقرأون التحيات فى الصلاة ؟ لماذا تقرأون بدلا منها آية الكرسى ؟ مع بعض اسئلة اخرى مثل : ماذا يقول لكم أحمد صبحى وماذا تقولون له ؟!!
تخيلواماذا يمكن أن أقول لأهلى من الرجال والنساء والآطفال كلما أزورهم ؟ واذا كنت خطيرا الى هذا الحد فلماذا يعتقلوننى أنا دونهم ؟ كان الهدف الواضح هو منعى من الذهاب الى قريتى ومنعى من دخول بيتى هناك، ومنعى من لقاء اهلى وأحبتى وذوى رحمى . لهذا كان حرصهم على الافراج عن بعض المعتقلين من الاسرة ليدخلوا البلدة فى وضح النهار ووجوههم منتفخة من الضرب للتشهير والاذلال والتخويف والارهاب وليكون معروفا اننى السبب فيما يحل بهم من بلاء.
كان من الطبيعى أن انقطع عن زيارة اهلى حرصا عليهم وحبا فيهم وأملا فى رفع العذاب عنهم . ولم يرتفع بسهولة برغم الشكاوى التى قدمتها لوزير الداخلية وكبار المسئولين لديه، وبرغم توسط بعض ذوى الصلات والنفوذ . ما ت عمى وماتت عمتى ومات بعض الأحبة من أقرب الأقارب ولم استطع حضور الجنازة وفق العادة المتبعة. ثم جاء القبض على الدكتور سعد الدين ابراهيم فتوقعت القبض على فى أى وقت . وبادرت بالتنبيه على أصدقائى واخوتى وأقاربى فى القاهرة ألا يزورونى وألا يصلوا الجمعة معى حرصا عليهم وعلى أولادهم. أغلقت على بابى وانتظرت المستقبل المجهول ، وجاء سريعا نبأ القبض على أخوة قرأنيين من الصحبة القديمة تلاها القبض على آخرين منهم فى نفس الحى الذى اعيش فيه، ونشرت الآهرام ذلك بدءا من اكتوبر 2001 ، وتلا ذلك استدعاءات تمهيدية لى لأمن الدولة ، فقررت الهجرة ، ووفقنى الله تعالى الى المجىء الى أمريكا أنعم بالصلاة فى بيتى دون خوف أو قلق.
بارك الله تعالى أمريكا !!

إنني القرآنى الوحيد الذى هاجر الى أمريكا مستمتعا بتسامحها ، بينما لا يزال اهلى وأقاربى واخوتى فى الدين تحت الحصار السلفى. عندما اتيت الى امريكا توجهت الى أقرب مسجد فوجدته سلفيا متطرفا ، وعرفت بعدها كيف يسيطر السلفيون على معظم المساجد الاسلامية والجالية الاسلامية. وكما اختطفوا اسم الاسلام وهم أعدى اعدائه اختطفوا أيضا التسامح الامريكى فى حرية العقيدة وحرية التعبير واستخدموا هذه الحرية فى حرب امريكا نفسها فى المساجد ومدارسهم- المسماة بالاسلامية ـ مستغلين اسم الاسلام العظيم وقانون الحريات المدنية الامريكية.
هل تتخيل نذالة اكثر من هذا؟ تفتح لهم أمريكا أبوابها وتعطيهم من الحرية ما لا يجدون فى بلادهم ، وينعمون بخيرها ورخائها وازدهارها العلمى ثم يلعنونها ليل نهار. واذا قبض على أحدهم متلبسا بجريمة وجد نظام العدل الامريكى يقف الى جانبه بكل قوة ، ووجد الصحافة تتابع الموضوع بكل حياد وموضوعية، ووجد جماعات حقوق الانسان والحريات المدنية بالمرصاد لما يحدث من انتهاكات بكل الاخلاص الامريكى المعروف فى العمل ، تنشر تقاريرها على الملأ تفضح ما تراه من انتهاكات حسب الثقافة الامريكية والمقياس الامريكى الرائع فى حقوق الانسان وحفظ كرامته ، ونحن لم نعرف هذا المقياس بعد ولم نصل اليه طيلة تاريخنا العربى . تنشر الصحف تلك التقارير عما تحسبه انتهاكات ـ وهو فى مستوى تعامل السلطات العربية معنا يعتبر مداعبة و"هزار " ـ ولكن تتلقفها صحفنا القميئة وتتناولها بالمبالغة والتهويل وتتخذ منها مادة للطعن فى أمريكا كلها متناسين ابعاد الصورة الامريكية كلها ، وأهم من ذلك كله يتناسون الذل والظلم والطغيان والفساد والتخلف والتعصب والتطرف الذى يعيشون تحت نيره ، وغالبا ما يدافعون عنه أويتجاهلون وجوده.
اسمع هنا فى أمريكا الكثير مما يشين المساجد واصحابها المنتفعين بها مما يستحق مقالة مستقلة ولكن أشير على عجل الى الهبات التى تصل اليهم من الامريكان غير المسلمين ومن الكنائس ومنها صناديق الملابس والتى يقوم الشيوخ الانذال بتجميعا فى بالات يتم كبسها فى مخازن هائلة تسير فيها سيارات النقل محملة بصناديق الهبات والهدايا . وفى مخازن اولئك الأنذال يتم فرز المحتويات وتصنيفها واعادة تعبئتها وكبس الملابس ثم تصديرها الى الموانى العربية ـ الاسكندرية خصوصا ـ حيث يتسلمها اعوان اولئك الشيوخ الانذال لتباع لحسابهم.

وبالتالى من حقهم علينا أن نعذرهم ففى حمأة هذا الانشغال بالمعاش لا يجدون وقتا للصلاة على الاخ جون هنرى ووتن ولايجدون وقتا لرعاية المنكوبين المسلمين العرب من رواد مساجدهم ومنهم صديقى الأردنى الذى قبض عليه بسبب مخالفة قوانين الاقامة مع تهم أخرى تتصل ببيانات خاطئة فى جواز سفره ، وكان عليه أن يدفع كفالة تفوق طاقته ليخرج من السجن على ذمة القضية , ومع انه من رواد المسجد المعروفين الا ان الانذال من شيوخ المسجد رفضوا الوقوف الى جانبه فى محنته برغم كثرة من توسطوا لديهم فى أمره فظل فى السجن الى أن تبرع له صاحب العمل المسيحى الامريكى بدفع الكفالة..وأمجاد ياعرب أمجاد ..وصديق آخر عانى من اصابة زوجته بالسرطان ولم يجد من رفاقه فى المسجد معينا ، وحين ماتت زوجته ذهب للمسجد اياه ليشترى مدفنا لها حيث يتاجر الشيوخ الانذال فى بيع المدافن للمسلمين من قطعة ارض منحتهم اياها الكنيسة فى المدفن العمومى للمنطقة. كتب الزوج المصاب لهم شيكا بثمن المدفن الا انهم رفضوا أن يأخذوا منه الشيك اذ كانوا يريدون المبلغ عدا ونقدا. لم يكن معه "كاش" وكان يوم اجازة فى البنوك ، ولم يشفع له ذلك لديهم ولم يحصل على المدفن الا بعد ان استلف من بعض اصدقائه المبلغ نقدا.
اعود الى البداية، وقصة الاخ الراحل جون هنرى ووتن لتقرير هذه الحقائق القرآنية بايجاز:-

1-الاسلام في معناه القلبي الاعتقادي هو التسليم والانقياد لله تعالي وحده . والاسلام بهذ المعني نزل في كل الرسالات السماوية علي جميع الانبياء وبكل اللغات القديمة ،الي ان نزل اخيرا باللغة العربية ،وصار ينطق بكلمة "الاسلام"التي تعني الاعتقاد والتسليم والانقياد والطاعة المطلقة لله تعالى وحده فيما يخص التعامل مع الله تعالى (الانعام 161:163) وهذا هو معني الاسلام في الاعتقاد ،والذي سيحكم الله تعالي عليه وحده يوم القيامة ،لأن الله تعالي لن يقبل يوم القيامة دينا آخر غير الخضوع أو الاستسلام له وحده ،وذلك معني قوله تعالي (ان الدين عند الله الاسلام ). (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين :آل عمران 19،54)فالاسلام هو الخضوع لله تعالي بكل اللغات وفي كل زمان ومكان وفي كل الرسالات السماوية، الا انه عندنا وللاسف قد تحول الى وصف باللغة العربية لقوم معينين في عصور معينة.
والله تعالي لا يهتم بما يطلقه البشر علي انفسهم من القاب وتقسيمات مثل (الذين آمنوا) والذين هادوا (اليهود) والنصاري والصابئين (أي الخارجين علي دين اقوامهم )لذلك فان القرآن يؤكد في آيتين ان الذين يؤمنون ايمانا باطنيا وظاهريا (بالامن والامان مع البشر وبالاعتقاد في الله وحده )ويعملون الصالحات فى التعامل مع الناس ويؤمنون باليوم الاخر ويعملون له فهم من اولياء الله تعالي سواء كانوا من اتباع القرآن ،أو من الذين هادوا ،أو من النصاري او من الصابئين (البقرة 62 المائدة 69 )أي ان من يؤمن بالله واليوم الاخر ويعمل صالحا فهو عند الله قد ارتضي الاسلام أو الانقياد لله عز وجل، سواء كان من المسلمين او اليهود او النصارى او الصابئين في كل زمان او مكان او بكل لسان وذلك ما سنعرفه يوم القيامة.
ليس لأحد من البشر فى هذه الدنيا ان يحكم علي انسان بشأن عقيدته، والا كان مدعيا للالوهية، هذا هو معني الاسلام الباطني القلبي الاعتقادي ، هو فى التعامل مع اللة تعالي استسلام وخضوع له بلغة القلوب ،وهي لغة عالمية يتفق فيها البشر جميعا، وعلي اساسها سيكون حسابهم جميعا امام الله تعالي يوم القيامة. وكل انسان له حريته المطلقة فى التمسك بهذا الاسلام العقيدى او الخروج عليه ، وكل انسان مسئول عن اختياره امام الله نعالى وحده يوم القيامة.
اما الاسلام في التعامل الظاهري فهو السلم والسلام بين البشر مهما اختلفت عقائدهم يقول تعالي (يا ايها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة )البقرة 208 .أي يأمرهم الله تعالي بايثار السلم . ونتذكر هنا تحية الاسلام الا وهي السلام وان السلام من اسماء الله تعالي، كل ذلك مما يعبر عن تأكيد الاسلام علي وجهه السلمى ، فالانسان الذي يحقق الاسلام السلوكى في تعامله مع الناس فيكون مسالما لا يعتدي علي احد هو مسلم بغض النظر عن عقيدته ، فذلك هو معيار المسلم فى القرآن ، وكونه مسلما نتعرف عليه بحسب سلوكه السلمى ونتعامل معه كمسلم سواء كان فى عقيدته وعبادته مسيحيا يذهب للكنيسة، أو كان يهوديا يؤم الالكنيس اليهودى أو كان بوذيا او حتى ملحدا. المهم أن يكون مسالما ليكون اخا لنا فى الاسلام بمعناه السلوكى الظاهرى وهو السلام. أما عقيدته وعقائدنا فمرجعها لله تعالى وحده يوم القيامة ليحكم علينا جميعا بعدله وعلمه جل وعلا. وحتى يأتى يوم القيامة علينا أن نعيش فى هذه الدنيا فى سلام وفق معنى الاسلام بمعناه السلمى الظاهرى.
وعلى العكس فان الشرك والكفر هما معا ـ طبقا لمصطلحات القرآن الكريم ـ يعنيان الظلم و الاعتداء العقيدى والسلوكى.
الظلم لله تعالى فى التعامل معه جل وعلا أو فى العقيدة بمعنى اتخاذ اولياء وآلهة مع الله تعالى بتقديس البشر من الانبياء والأئمة والقديسين والأحبار والرهبان والشيوخ . وهذه عادة سيئة يقع فيها أغلب البشر وفى مقدمتهم المسلمون من سنة وشيعة وصوفية. وهذا ظلم عظيم لله تعالى القائل " ان الشرك لظلم عظيم ""لقمان13 ". والله تعالى شاء أن يكون البشر أحرارا فى الايمان وفى الكفر لذا كان الحساب على العقائد مؤجلا الى يوم القيامة ، وكان التأكيد القرآنى على الحرية الانسانية المطلقة فى الايمان او الشرك والكفر مرتبطا بمسئولية البشر الكبرى على هذا الاختيار وما يترتب عليه من خلود فى العذاب او خلود فى النعيم. ولكن الى أن يأتى يوم الحساب فليس لأحد أن يحاسب أحدا على معتقده ودينه حيث أن ذلك هو حق الله وحده ، ولابد من ترك الدين خالصا له وحده جل وعلا فى تقرير حرية البشر فيه فى الدنيا وفى حسابهم امام خالقهم فى الدين يوم الدين. ليس فى الاسلام كهنوت أو واسطة بين الناس ورب الناس ولا يجوزفى تشريع الاسلام الاكراه فى العقائد ومن يفعل ذلك فقد اغتصب حق الله تعالى وادعى الالوهية دون أن يدرى أو وهو يدرى.
واذا كان الشرك والكفر اعتداءا على حق الله تعالى فان الشرك والكفر يعنيان معا وفق مصطلحات القرآن الكريم الآعتداء على حقوق البشر أيضا ، تلك الحقوق التى نزلت تشريعات الرحمن فى تأكيدها وتوجب على البشر حفظها فى هذه الدنيا ليستقيم العدل والأمن والسلام فى الأرض وفى هذا العالم، وفى مقدمتها حق الانسان فى الحياة وفى حريته فى اختيار عقيدته وسائر حقوقه السياسية والاجتماعية. المعتدى على هذه الحقوق البشرية مستحق للوصف بالكفروالشرك طالما ظل قائما بهذا الاعتداء مصرا عليه ولا بد من مواجهته وردعه ليكف عن اجرامه. واذا اقترن هذا الاعتداء على حقوق الناس بتبرير دينى يفترى على الله تعالى كذبا فهنا اقتران بالاعتداء على الله ودينه وهو الفساد فى الأرض الذى يجب الجهاد الاسلامى ضده بالقلم والسلاح اذا أمكن. وهذا بالضبط ما يجب على المؤ منين فعله فى مواجهة الطاغوت السلفى الوهابى الذى يظلم الله تعالى قبل أن يظلم البشر ويسفك الدماء ويستحل الحرمات بتزييف الاسلام وفقا لتلك الاحاديث السامة المسماة بالسنة النبوية . والرسول سيبرأ منهم يوم القيامة كما نبأ الله تعالى عما سيقوله الرسول يوم القيامة عن اعدائه الذين هجروا القرآن تمسكا بتلك الأكاذيب المفتراة" وقال الرسول يارب ان قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا ، وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ". الفرقان 30,31".
2- طبقا للقرآن الكريم فانه يجوز للمسلمة أن تتزوج مسيحيا أو يهوديا أوبوذيا..الخ طالما كان مسالما. المحرم هو الزواج من المشرك الكافر او المشركة الكافرة بمعنى الإجرام والتعدى على المسالمين بالحرب. وسيأتى تفصيل ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى ،كما أن بيوت العبادة لكل المؤمنين من المسلمين وأهل الكتاب يجب احترامها وحمايتها وحصانتها من كل اعتداء ، وهذا من مقاصد الجهاد فى الاسلام طبقا للقرآن الكريم."الحج 40"
3- فى ملتى واعتقادى أن افعال اسامة بن لادن ومن هم على دينه ومذهبه هى نفس صفات الشرك بمعنى الاعتداء العقيدى والسلوكى. هنا اتحدث عن افعال منشورة واحتكم الى القرآن العظيم فيها .لست اتحدث عن أشخاص وانما عن أفعال وعن صفات . الاشخاص الاحياء لا يزال لديهم المجال مفتوحا للتوبة . اما افعال الخير أو الشر وصفات الكفر والشرك والايمان والاسلام فهى مستمرة باستمرار الحياة ويمكن الحكم عليها اسلاميا بالمعنى البحثى وليس بالمفهوم الكهنوتى. المفهوم الكهنوتى لدى الوهابية ـ مثلاـ يحكم بالتكفير على كل شخص لا ينتمى اليهم ويستحل دمه ويحكم بخلوده فى النارمتدخلا بذلك فى سلطة الله تعالى ومناقضا لشرعه. اما المفهوم البحثى الاسلامى فهو يبحث فى توصيف افعال البشر طبقا لأحكام الحق القرآنى ، هل هذه الافعال عبادة أم طاعة، هل هى اعتداء وظلم أم احسان وبر. والهدف من ذلك ليس التكفير وانما التنبيه والوعظ والتحذيرحتى يعرف الغافل ان ما يحسبه اسلاما هو نقيض للاسلام. المشكلة فى الوهابيين انهم يحسبون سفكهم لدماء المسالمين جهادا ااسلاميا وينسبون اكراه الآخرين فى الدين الى دين الاسلام وهذا يوجب على باحث اسلامى مثلى أن أدافع عن دينى وأبرىء الاسلام من بهتانهم وافتراءاتهم واجرامهم. ليس من حقى أن اتدخل فى اختيارهم العقيدى حتى وان تدخلوا فى عقيدتى بالاكراه والاضطهاد . ولكن من واجبى ان أدفع عن دينى ـ الاسلام العظيم ـ افتراءهم واجرامهم طالما ينسبون انفسهم للاسلام . أعدهم بألا أتعرض لهم مطلقا أذا نسبوا جهادهم وعقيدتهم وسلوكياتهم الى الوهابية الحنبلية فقط دون الزج باسم الاسلام العظيم فى مستنقع فجورهم وغيهم واجرامهم.
4- أن ما تفعله الوهابية المعاصرة الآن يفوق ما اعتادته قريش فى جاهليتها فى بغيها وعدوانها وتلاعبها بملة ابراهيم وطاغوتها الدينى والسياسى.
قريش كانت تعبد الأولياء وتقدس الأنصاب وتؤله البشر بزعم انه تقربهم الى الله زلفى"الزمر3" والوهابية تقدس النبى محمدا والأئمة والصحابة والسلف، ومقياس التأليه هو اعتبارهم فوق مستوى النقد والنقاش وتكفير من يعاملهم كبشر يخطئون ويكذبون. هل يستطيع وهابى أن يقول ان ابن عبد الوهاب كذب فى كذا او اخطأ فى كذا ؟ هل يستطيع نقد ابن تيمية او ابن حنبل أو عبد العزيز آل سعود ؟
كانت قريش تسيطر على مكة والحرم وتصد عن سبيل الله من آمن وتصد عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه، وتبيح الحج الى غيرالحرم . وكذلك تفعل الوهابية السعودية حين تشجع الحج الى وثن تنسبه للنبى محمدا على انه قبر له مسايرة لابتداع فى مناسك الحج لم يعرفه النبى ولم يعرفه المسلمون بعده لمدة قرون ـ اعنى بذلك الحج الى مايسمى بقبر النبى ضمن مراسم الحج الى البيت الحرام. فى نفس الوقت تتحكم فى الحج حسب سياستها وعلاقاتها، فتمنع وتبيح ، وتحول فريضة الحج الى تجارة هائلة تستنزف فيها الحجيج المسلمين ومعظمهم فقراء.
كانت قريش تضطهد المسلمين الأوائل وتعذبهم وتمنعهم من دخول المساجد فقال فيهم رب العزة " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين ." البقرة 114" كانت قريش تذكر اسماء آلهتها وأئمتها المقدسين وانصابهم فى مساجدها وكادت تفتك بالنبى محمد عليه السلام حين اعترض على ذكر اسماء معظمة الى جانب اسم الله تعالى فى مساجده " اقرأالآيات 18 الى 23 من سورة الجن".واسفر احتكارها للمساجد واضطهادها المسلمين الى هجرتهم مرتين للحبشة ثم المرة الأخيرة الى المدينة.
السعودية الوهابية تضطهد ايضا خصومها فى المذهب والدين ، تمنع الشيعة من ارتياد مساجدهم وتلزمهم بالصلاة فى مساجد الوهابية حيث يسمعون الذم فى عقائدهم وتكفيرهم . ثم تطارد السعودية الوهابية الشيعة الآخرين فى مصر تنفذ نفس الاضطهاد وتبذل فى سبيله المال لفساد الذمم والضمائر. ثم ينضم القرآنيون الى قائمة الضحايا فألاقى انا وأخوتى فى الدين الهجوم علينا فى المساجد الوهابية فاذا اعتزلنا تعقبونا بالملاحقة الأمنية يخرجوننا من مساجد بنيناها لنعبد فيها الله وحده دون تقديس لبشر أو حجر معترفين بحق كل انسان فى أن يعبد الله كيفما يشاء ، أو حتى اذا لم يعبده اذا شاء وكل منا مسئول عن اختياره . واذا كانت قريش تتعامى عن المسلمين الأوائل وهم يجتمعون سرا للصلاة فى دار الأرقم بن الأرقم لتعطى درجة من التسامح السلبى فان الطاغوت السلفى الوهابى الذى تسلط علينا فى بلدنا مصر استخدم ماكينة التعذيب لمنع افراد العائلة الواحدة من الصلاة فى بيوتهم. ولم يسكت الا بعد اخراجنا من بيوتنا. أبعد هذا كفر وطغيان وطاغوت ؟ ما شأنكم بنا اذا كنا نصلى الجمعة او الظهر ، أو اذا كنا نقرا التحيات أو نقرا بدلا منها التشهد المذكور فى الآية 18 من سورة آل عمران ؟ ما شانكم بصلاتنا لربنا جل وعلاوهو الذى سيحاسبنا وسيحاسبكم يوم القيامة؟ ما شأنكم بنا اذا لم نكن نصلى من الأساس مثل ما يفعل ملايين المسلمين المصريين وغيرهم؟
يطول المقال اذا تعرضنا لكل ملامح التشابه والتطابق بين السلفية والجاهلية القرشية وسيأتى ان شاء الله تعالى التفصيل فيما بعد للعظة والتحذير وليس للسب والتكفير. ولكن أختم المقال بالسبب الذى حعل دموعى تنهمرفى جنازة الأخ جون هنرى ووتن التى أكدت لى ما ألمسه دائما منذ جئت هاربا بدينى ـ ليس الى الحبشة ولكن لأمريكا ـ أن التسامح الاسلامى والتعامل الاسلامى الراقى والقيم الاسلامية العليا انما توجد فى الشعب الأمريكى النبيل، بينما تاهت معالمها فى مصر التى كانت مشهورة بتسامحها قبل أن يحتلها الوباء السلفى السعودى النجدى . لذلك ابكى على مصر .. وعلى الاسلام الذى أضحى غريبا مضطهدا مطاردا. ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم !!
أكذوبة عذاب القبر وأكاذيب شيوخ الثعبان الأقرع

مقدمة
فى1994 صدر كتابي "عذاب القبر والثعبان الأقرع" أنفى فيه عن الإسلام هذه الأكذوبة وأوضح جذورها الفرعونية والتراثية. وأحدث الكتاب صدمة هائلة كما هو المعتاد في كل كتاباتي التي تقض مضاجع شيوخ الثعبان الأقرع الذين يرهبون الناس بعذاب القبر ليفرضوا لأنفسهم جاها ما أنزل الله به من سلطان. إنهم الذين يتعيشون من استمرار الجهل واستقراره متمتعا بالخرافات التراثية التي اكتسبت قداسة زائفة لمجرد أن أحدا من قبل لم يغامر بمناقشتها في ضوء القرآن والمنهج العقلي الاسلامى. ردود الأفعال على ذلك الكتاب وصلت إلى حد استنطاق كل أنواع الشيوخ للرد على كتابي وشتمي, بدءا من شيوخ الأزهر إلى شيوخ الترب والمقابر والأضرحة. وإذا كنت لم استفد كثيرا من ردود الأزهريين لأنني احفظها جيدا من كثرة تكرارها وسذاجتها وضحالتها وبؤسها فانه ـ والحق يقالـ قد استمتعت كثيرا بأقاويل شيوخ الترب والأضرحة الذين فاتهم أن ينسبوا افتراءاتهم عن نعيم القبر وعذابه إلى النبي كما كان أسلافهم من أئمة الفقه وعلم الكلام وشيوخ القصص أو القصاصون أو الحكاؤون ـ يفعلون في العصور الوسطى. استمتعت بأكاذيب شيوخ الترب والأضرحة لأنها أضافت جديدا لم أكن أعرفه عن الخرافات المعاصرة والتي نالها بعض التجديد في عصر الصحوة السلفية المباركة.
من سياق الحملة الصحفية ضدي وقتها وردودي عليها ومن مقتطفات من كتابي سالف الذكر أعددت هذا المقال لأن الثعبان الأقرع لا يزال يعيش في أذهان أولئك المساكين ويخسرون به الدين والدنيا: ـ
هؤلاء الأبرار ـ بالياء وليس بالشين أو الغين ـ و عقائدهم المضحكة:
أولا: لماذا يطلقون على ذلك الثعبان الخرافي وحده وصف الثعبان الأقرع ؟ ولماذا يختص ذلك الثعبان وحده بالقراع ؟.. هل هناك ثعبان أقرع وثعبان أصلع وآخر أجلح ورابع بشعر كثيف..؟
إن كل الثعابين لا توجد شعرة واحدة على رؤوسها.. لكن لم يفكر أحد منهم في هذه المسألة، لأن العادة أن الخرافات حين تستحكم في العقول تعطيها إجازة مفتوحة " وبدون مرتب".
ثانيا: أنهم يقولون إن عذاب القبر والثعبان الأقرع من المعلوم من الدين بالضرورة ـ وبعضهم ينطقها خطأ فيقول " من المعلوم من الدين بالضرورة" ـ وهذا خطا لا نقره أبدا.أبدا.
ونقول: إن تعبير المعلوم من الدين بالضرورة مصطلح أنتجته عصور التقليد والتخلف العلمي منذ منتصف العصر المملوكي خلال القرن الثامن الهجري. وقبل ذلك كان الإجتهاد يصل إلى الاختلاف في كل شيء بين الفرق والمذاهب الفكرية والفلسفية والعقيدية والفقهية.. ثم أغلقوا باب الإجتهاد، وتحول الأئمة المجتهدون والمختلفون في كل شيء إلى أئمة مقدسيالضرورة،اء عصور التخلف منذ منتصف العصر المملوكي وطيلة العصر العثماني، حيث لا يجوز الاعتراض علي الأئمة الأوائل أو مناقشتهم أو نقدهم، وبرزت شائعات علمية كاذبة تبرر هذا الإفك وتشرعه وتحميه مثل " المعلوم من الدين بالضرورة " وأجمعت على ذلك الأمة." والواقع أنه لا يوجد إجماع ولا توجد قائمة محددة متفق عليها بذلك المعلوم من الدين الضرورة ، حيث اختلف الشيعة والسنة والصوفية والفرق الإسلامية والكلامية في كل شيء منذ أن ابتعدوا عن القرآن.. ومن ضمن العقائد المختلف عليها عذاب القبر ونعيمه والعصمة والشفاعة.. وأنصح بقراءة كتاب " مقالات الإسلاميين واختلاف المصليين " للإمام آبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة في علم الكلام للتأكد من اختلاف أئمة المسلمين في عصر الاجتهاد حتى في داخل المذهب الواحد في كل شيء وحول كل شيء.
ومن هذه القضايا الخلافية وقتها عذاب القبر ونعيمه، و هي في الأصل عقيدة فرعونية عاشت آلاف السنين قبل الإسلام ثم ما لبثت أن رجعت إلى أفئدة المسلمين متخفية في أحاديث نبوية وتفسيرات مختلة للقرآن الكريم جاء بها التيار السني الفقهي والكلامي ـ نسبة إلى علم الكلام ـ شأن كل ما جاءوا به مما يخالف الدين الحنيف.وقد رد عليها المخالفون لها بأدلة عقلية وبقلية. حدث ذلك كله في عصر الاجتهاد العلمي والصراع الفكري بين المعتزلة ـ دعاة التجديد العقلي ـ وأهل السنة الذين يسترون عورة تخلفهم العقلي وعجزهم العلمي بالتمسح بالنبي محمد ونسبة أقوالهم له ولأصحابه حتى تتحصن آراؤهم من النقد. بيد أن المعتزلة لم يعترفوا بذلك الإسناد الكاذب النبي, وبعضهم استخدم نفس الأسلوب في الرد على أهل السنة والكيد لهم ـ كما كان يفعل الشيعةـ حين صنعوا أحاديث"نبوية" ترد على أهل السنة بنفس أسلوبهم. وأنتج هذا الصراع الخائب العاجز الكثير من الأحاديث المتناقضة والتي عكف عليها بعض اللاحقين يحاولون ـ دون جدوى ـ التوفيق بينها.
ثُم جاء عصر التقليد ثم الجمود ثم التخلف حيث انقرض المعتزلة وانقرض معهم الاجتهاد العقلي لتسود الخرافات السنية ـ ومنها الثعبان الأقرع ـ متحصنة بالأحاديث الكاذبة والشائعات السامة من نوعية " المعلوم من الدين بالضرورة ـ وليس الضروطة ـ و أسطورة الإجماع، وكل منهما يحتاج وقفة قادمة إن شاء الله تعالى.
إن مناهج الأزهر التي درسناها أشارت لذلك الخلاف بين الأئمة المجتهدين في قضايا العصمة والشفاعة وعذاب القبر وغيرها ولكن مع التأكيد على نصرة المذهب السني ورؤيته المتخلفة في تلك القضايا.
ومنهجي الفكري والاجتهاد في تلك القضايا الخلافية: أولا: تدبر القرآن الكريم برؤية قرآنية محضة تعتمد على فهم القرآن بالقرآن وتحديد مفاهيم القرآن بالقرآن، وتجميع كل آيات القرآن في الموضوع المبحوث واستطلاع مضمونها بتجرد كامل منزه عن الهوى والأفكار المسبقة بهدف الوصول للحق والاهتداء به ابتغاء مرضاة الله تعالى, مع عدم الاهتمام مطلقا بما يعتقده الناس أو ردود أفعالهم الغاضبة، لأن حق الله تعالى هو الأولى بالنصرة والأتباع. ُثُم بعدها البحث التاريخي والتراثي في جذور الموضوع وتجلياته وأبعاده المعاصرة واللاحقة.
وقد تأكد لي بعد مشوار شاق وطويل من التفرغ للبحث الجاد والمحايد إن كل الاعتقادات المخالفة للقرآن في عذاب القبر ونعيمه وفى تأليه البشر والأنبياء وعصمتهم وشفاعتهم كانت موجودة قبل الإسلام، وقد أشار القرآن إليها ورد عليها، ثم ما لبثت أن عادت تلك العقائد إلى عقول المسلمين عبر تلك الأحاديث الكاذبة المخالفة للقرآن العظيم.
وفى معرض الرد على كتابي و تسفيه أدلته القرآنية والتراثية تحدث بعض شيوخ الترب والمقابر في بعض الصحف عما يعملونه في دفن الميت ولحده.. وذكروا الأسرار الإلهية أو بعضها عما شاهدوه من عذاب القبر والثعبان الأقرع، والميت الذي يتحول إلى جحش، وما شاهدوه من نعيم القبر وما فيه من أنوار وعطور وذكروا أنهم رأوا حساب الملكيين للميت، كما أكدوا أنه يمكن تخفيف العذاب على الميت في قبره بذبح خروف أو عجل كبركة على روح الميت.وجيء لي بهذه الاكتشافات المحلية الثمينة التي نفاخر بها الأمم في عصر ثورة المعلومات والاتصالات. وتعين على مثلي أن يرد على شيوخ الترب والمقابر في هذا العصر البائس. وكان لابد أن أرد..
قلت: الواقع أن العقائد الفرعونية هي الأساس الحقيقي في تدين المصريين حتى الآن من أقباط ومسلمين وهذا ما أثبته في كتابي " شخصية مصر بعد الفتح الإسلامي " الصادر عام 1984 والذي يؤكد على أن الفتح الإسلامي لم يضف شيئاً إلى المضمون الحقيقي لعقائد المصريين وطقوسهم الدينية، مثلما لم تضف المسيحية شيئا لعقائد الأقباط. إذ أن الثوابت الدينية الراسخة في عقائد المصرين منذ العصر الفرعوني تقوم دائماً بتمصير كل الثقافات الوافدة والعقائد الداخلة لمصر، وقد تتسامح في نطقها باللغة الوافدة سواء كانت يونانية أو عربية وتحت أسماء جديدة ولكن بنفس المضامين والأسس الفرعونية القديمة.. وينطبق هذا أكثر على العادات الدينية المرتبطة بالموت ومنها الإعتقاد في عذاب القبر ونعيمه، والذي هو ترديد واضح لما ساد في مصر الفرعونية وانتشر فيها للرافدين خصوصاً الشام، وحين جاء الإسلام ودخل فيه أبناء الأمم التي فتحت منذ القرن الثالث الهجري فإنهم دخلوا في الإسلام بنفس معتقداتهم الثابتة ولكن باللغة العربية، وعززوا هذه العقائد الثابتة في قلوبهم بما تعودوه في عادات الدفن وطقوس التدين، ثم قام الفقهاء السنيون بتأكيد تلك العقائد عبر تأليف الأحاديث ونسبتها زوراً للنبي (ص).
" ويقول الدكتور صبحي للذين هاجموه": أنكم إذا رجعتم إلى مصادر العصر المملوكي وخصوصا كتب " التصوف " للشعراني وكتب " المناقب الصوفية " التي تتحدث عن زيارة القبور المقدسة مثل كتاب ابن الزيات " الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة " وكتاب السخاوى الصوفي " تحفة الأحباب " وجدتموها تردد نفس العقائد الفرعونية بعد ألوف السنين، ثم اكتشفها علم المصريات بعد قرون حين فكت رموز اللغة الهيروغليفية، وهذا ما ناقشته في كتاب لي لم ينشر بعد عن الصلة بين التصوف المملوكي والديانة الفرعونية. وفى تلك المصادر الصوفية المملوكية كان المؤلفون ينقلون عن" مشايخ الزيارة " الذين كانوا يعملون كمرشدي السياحة في عصرنا، ولكن لسياحة من نوع مختلف. حيث يشرحون لزوار المقابر المتبركين بها معالم القرافة وكرامات أوليائها الموتى و يسترزقون من خدمة الترب المقدسة ونشر الشائعات حولها ومنها الأقاصيص عن عذاب القبر ونعيمه، وكرامات الأولياء الصوفية داخل قبورهم، ولا يختلف ذلك عما قاله أجدادنا المصريون في العصر الفرعوني والعصر القبطي وقبل العصر المملوكي.
ومنذ العصر الأموي استحدث بنو أمية وظيفة الراوي في المسجد أو من كان يسمى بالقصاص ـ بتشديد الصاد ـ، وكان يجلس في المسجد بعد الصلاة للدفاع عن السلطة الأموية وتبرير فظائعها ولكن بصورة غير مباشرة وتحت ستار الوعظ. لذا كان منهج صاحب القصص أن يجذب إليه عقول السامعين بالأساطير والحكايات، وكلما توغل في الكذب ازدادت جماهيريته وازداد تأثيره..ولقد كان العصر الأموي عصر الروايات الشفهية التي تم تدوينها فيما بعد في العصر العباسي منسوبة للنبي بعد إن دخل فيها الكثير من التحريف والتخريف. دونها كثيرون أبرزهم "ابن برزويه " صاحب الانتماء المزدكى والأصل المجوسي، وهو المشهور بيننا بلقب البخاري المتوفى سنة 256.
كانت خرافات الترهيب وعذاب القبر المادة المفضلة للقصاص في العصر الأموي، ثم جاء الفقيه " الأوزاعي " الذي عاصر الخلافتين الأموية والعبّاسية وخدمهما معاً، وكان من أشهر القصاص في الدولتين، وهو الذي اخترع حد الردة وهو أيضاً المصدر الأساسي لخرافات عذاب القبر، وتحولت معظم أقاصيصه إلى مروايات وأحاديث يعززها بأن لها جذوراً فرعونية في عقول الناس من آلاف السنين.
إن بعض أنواع الماعز تعتقد أن الشيطان قد قدم استقالته بعد ظهور الإسلام وبعد موت خاتم الأنبياء وأن أهل البلاد المفتوحة قد دخلوا في الإسلام أفواجا دفعة واحدة وبإيمان عميق لا مجال للشك فيه، وأنه حتى الآن فإيمان أحفادهم المسلمين اليوم هو التطبيق الحرفي المخلص للإسلام الذي كان عليه خاتم النبيين عليهم جميعا السلام. ولذلك تستهجن تلك الماعز أي دعوة لإصلاح المسلمين وتهاجم كل من حاول الإصلاح لأن الذي يجب إصلاحهم ودعوتهم للهداية هم الذين لم تبلغهم الدعوة في مجاهل أفريقيا وأحراش الغابات الاستوائية والصحارى القطبية. وأنواع أخرى من الذئاب ترى أن الهدف الأسمى هو أن يخضع المسلمون لحكمهم طوعا أو كرها لإقامة دولة الخلافة التي تعيد مجد السلف وتواصل الجهاد ضد دار الحرب الصليبية إلى قيام الساعة.
هذه الماعز وتلك الذئاب تحتاج إلى تغييب عقول الناس كي تسرق منهم الوعي والعقل، وبعدها يصبح سهلا امتطاء الضحايا ـ أو المطايا لا فارق هنالك ـ. ولكي تسرق منهم الوعي والعقل ترهبهم باحاديث عذاب القبر وينسبون كل خرافاته للنبي حتى يقطعوا الطريق مقدما على كل من يفكر في النقاش، اذ يكون التحذير جاهزا أنه" لا اجتهاد مع وجود النص" فإذا أصر جاء الإرهاب الفكري يتهم المسكين بأنه ينكر السنة. بذلك الإرهاب المسبق تخضع الجباه لشيوخ الثعبان الأقرع وهم يروعون الناس ويرهبونهم بتلك الخرافات المفزعة. والمحصلة النهائية لتلك الحملات الإرهابية الفكرية أن السامعين الذين استمعوا إليها وآمنوا بها يشعرون شعورا خاصا نحو ذلك الذي أدخل تلك المعتقدات في قلوبهم، يشعرون نحوه بالرهبة والاحترام الزائد فإذا خاض بهم في موضوع ديني آخر ـ مثل تغيير المنكر بالقوة ـ أطاعوه، ثم إذا انتقل بهم بعدها إلى أن الدولة القائمة هي منكر يجب إزالته كان حتما طاعته و إلا فالثعبان الأقرع ينتظر في القبر فاغرا فاه.
من هنا نفهم لماذا التركيز في كتابات السلفيين في التسعينيات على عذاب القبر دون التركيز على النصف الآخر من الأكذوبة وهو " نعيم القبر" لأن الهدف هو الإرهاب الفكري المعنوي والذي يتفوق في خطورته على الإرهاب المادي الدموي. فالمعنوي يقتل العقل والكرامة الإنسانية واحترام الإنسان لذاته وهو الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض وسخر له ما في الكون. وبهذا الإرهاب الفكري اغتالوا جيلا من المساكين أضاعوا عليهم الدنيا والآخرة معا. وسعد بهم الشيطان الذي أوهمهم انه استقال وترك لهم البلاد والعباد باحثا عن عقد عمل مع ثعبان أقرع آخر في المريخ..
من هنا أيضا نفهم ثورة الماعز والذئاب على شخصي الضعيف حين فندت أكذوبة عذاب القبر. وأتذكر صديقا لي علمانيا قرأ كتابي واقتنع به وصارحني إن عذاب القبر كان دائما يخيفه ويؤرق مضجعه وكان سلاحا مؤثرا في أيدي السلفيين, فإذا كان هذا حاله فكيف بالبسطاء من الناس ؟ وكيف بالشباب المتلهف للجديد و التجديد فإذا بهم قد أعدوا له ثعبانهم الأقرع يقف على أعتاب مستقبلهم الواعد ويحوله إلى ماضي غامض.
ونعود إلى بعض أسئلة الصحف وقتها.
لكن هناك أحاديث للرسول (ص) في عذاب القبر ونعيمه فماذا عنها ؟
- الدكتور صبحي: من يؤمن بهذه الأحاديث فإنه يكفر بالقرآن.. لأنه يستحيل أن تؤمن بالقرآن وتؤمن أيضاً بما يخالفه.
ما أدلتك على أن هذه الأحاديث تناقض القرآن ؟
- الدكتور صبحي: لأن القرآن يؤكد في أكثر من عشرين آية قرآنية أن النبي (ص) لا يعلم الغيب وليس له أن يتحدث فيه، ولا يدرى ما سيحدث في المستقبل في الدنيا أو عند الموت أو بعده أو في الآخرة، ويكفى في ذلك الآية التاسعة من سورة الأحقاف " قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم " وكذلك الآية 50 من سورة الأنعام " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب " والآية 188 من سورة الأعراف " ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء " وطالما يؤكد القرآن الكريم أن النبي (ص) لا يعلم الغيب فان المؤمن بدين بالإسلام إذا جاءه حديث كاذب ينسب للنبي الكلام في الغيبيات فان واجبه يحتم عليه تبرئة النبي (ص) منه.. وأحاديث عذاب القبر والشفاعة وأحوال الآخرة كلها ضمن تلك الخرافات المخالفة للقرآن والتي يجب أن نبرئ منها الرسول (ص).
لكن هناك آيات يستشهد بها بالقرآن عن عذاب فرعون " النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب "
- الدكتور صبحي: لا شأن للآية الكريمة بعذاب القبر، فالقرآن هنا يتحدث عن البرزخ وليس عن القبر، والآية القرآنية تشير إلى عذاب فرعون في البرزخ إلى قيام الساعة, ولنا أن نتخيله في البرزخ وهو يعانى فيه العذاب بينما يرى ما انعم الله تعالى به على المستضعفين من بنى إسرائيل، وهكذا معنى قوله تعالى في قصة موسى وفرعون " إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم.. " إلى أن يقول الله تعالى عن بنى إسرائيل " ونمكن لهم في الأرض، ونرى فرعون وهامان وجنودها منهم ما كانوا يحذرون " القصص 4: 6.
فقد كان فرعون في طغيانه يضطهد بنى إسرائيل خشية منهم، وحدث ما كان يحذر منه وتم تمكين الله تعالى لبنى إسرائيل بعد غرق فرعون مصداقاً لقوله تعالى " فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم " إلى أن يقول تعالى عن بنى إسرائيل " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون " الأعراف 136: 137 إذن فالتدمير لما كان يصنع فرعون والتمكين لبنى إسرائيل حدث بعد غرق فرعون.. إذن فكيف يرى فرعون ذلك بعد غرقه..؟ لأن فرعون وآله كانوا ولا يزالون في البرزخ يعيشون في عذاب إلى أن تقوم الساعة. ثم سيأتي أشد العذاب يوم القيامة بعد سوء العذاب في البرزخ، مصداقاً لقوله تعالى عنهم " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب " غافر 46.
ماذا تقول عن حساب الملكيين.. هل ستنفيهما أيضاً ؟
إذا لم يكن هناك عذاب أو نعيم في القبر فلماذا يكون في الأصل حساب أو استجواب في القبر؟ وإذا كان الحساب سيأتي يوم القيامة أمام الله تعالى يوم الحساب حيث البعث والحشر والعرض واللقاء والميزان فان هول ذلك اليوم وتفصيلاته التي تكررت في القرآن الكريم يجعل من العبث التفكير في حساب سابق له.. فكيف إذا كان ذلك الحساب المزعوم في القبر أسطورة فرعونية في الأصل ترددت في كتاب الموتى واحتفلت بها دراسات علم المصريات التي تختص في بحث تاريخ مصر القديمة ومن يرد المزيد فليقرأ كتاب " أرمان " عن ديانة مصر القديمة.. فسيرى إننا نكرر ما قاله الأجداد وننسبه للنبي العظيم افتراء وكذباً.
ولكن القرآن ذكر أيضا نعيم الشهداء بعد الموت.
هنا أدعو الشيوخ إلى قراءة ما ذكرته في كتابي. بإيجاز أقول:
ـ عند الموت والاحتضار تبشر الملائكة الفائز، بينما يصرخ الخاسرـ بعد أن يرى الملائكة تبشره بالنارـ يطلب فرصة أخرى ليرجع للدنيا ليعمل صالحا، ويأتيه الرد بالنفي حيث ينتظره البرزخ الذي جئنا منه إلى هذه الدنيا، ثم بعد الموت سنعود إليه ونظل فيه إلى قيام الساعة." حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربى أرجعون لعلى أعمل صالحا فيما تركت. كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ". المؤمنون 99ـ100.
ـ البرزخ منطقة انعدام للزمن، ندخل فيه مؤقتا عند النوم والغيبوبة القصيرة أو الطويلة أثناء هذه الحياة، وحين نرجع منه نقول انه يوم أو بعض يوم. حتى لو كان النائمون هم أهل الكهف "الكهف 19" أو ذلك الذي أماته الله تعالى مائة عام ثم بعثه "البقرة 259". ثم ندخل البرزخ بعد الموت لنبقى فيه بلا إحساس بالزمن إلى أن تقوم الساعة. عندها سيقول المجرمون مندهشين إنهم لبثوا فقط يوما أو بعض يوم: " ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون. الروم 55 ـ 56".لو كان هناك عذاب في القبر لأولئك المجرمين لأحسوا بالزمن ثقيلا وبطيئا بما يعادل ملايين السنين. لكن البرزخ مر عليهم وعلى غيرهم مثل نوم أحدنا في هذه الدنيا. هذه هي القاعدة ولكن لها في القرآن الكريم استثناءات محددة ، هي تعذيب فرعون وآله في البرزخ ، وتعذيب كفرة قوم نوح ، ونعيم أولئك الذين قتلوا في سبيل الله تعالى.
التفاصيل كاملة فى كتابى سالف الذكر عن تلك الاستثناءات ، ولكن المهم أن ذلك لا علاقة له أبدا بعذاب القبر أو بنعيمه لأنه يحدث فى البرزخ وليس فى القبر، بل ان فرعون مات غريقا بلا قبر وذكر الله تعالى كيف نجاه ببدنه ليكون لمن خلفه آية. "يونس92". اذن فالتعذيب الذى يلقاه الآن متعلق بنفسه وليس جسده. ولا تقل "روحه" لأن الروح فى لغة القرآن ومصطلحاته هو جبريل ، وتلك قصة أخرى. ونفس الحال مع الذين قتلوا فى سبيل الله تعالى ـ اللهم اجعلنى منهم ـ حيث ذكر الله تعالى نعيمهم عند ربهم يرزقون، وليس في القبور. وأيضا لا تقل هنا الشهداء ولكن قل " الذين قتلوا فى سبيل الله" لأن مصطلح الشهداء فى لغة القرآن هو عن الدعاة للحق المناضلين فى سبيله والذين سيأتون يوم القيامة ليشهدوا شهادة خصومة على أقوامهم ـ اللهم اجعلنى منهم ـ ولتراجع القرآن لتتأكد من هذا.
لم يجد شيوخ الأزهر وقتها ما يردون به على كتابى فاضطرتهم الحاجة الغلابة الى اللجوء الى تقرير منحط وضعته اللجنة المكلفة بتبريرعزلى من الجامعة الأزهرية سنة 1987.ونشروا فقرات من هذا التقرير فى منتصف التسعينيات، تتهمنى ـ اثما وعدوانا وبهتانا ـ بأننى أنكر أن يكون محمد خاتم النبيين. ونسوا أن مثلى لا يخشى أحدا من الناس ولا يتردد فى اعلان ما يؤمن به، وتاريخى معهم خير شاهد على ذلك حيث لم أخش تحطيم كل أصنامهم الفكرية وابقارهم المقدسة وتابوهاتهم المحرمة. بل كنت أتحداهم فأقرره على الطلبة فى الجامعة، ويعلم الله ـ وكفى به عليما ـ أنه لو شككت لحظة فى كون محمد عليه السلام خاتم النبيين لأعلنت ذلك دون أدنى تردد. ولكن كيف يقول ذلك من وهب حياته دفاعا عن كتاب الله تعالى وتبرئة لخاتم النبيين مما افتراه عليه اعداؤه من أحاديث كاذبة بعد موته بقرون.
سؤال أخير لماذا فصلت من الأزهر ؟ هل لإنكارك السنة ؟ وما قولك في الإتهامات التي وجهها إليك تقرير اللجنة الثلاثية سنة 1987من أنك تدافع عن مسيلمة الكذاب، وقولك " انتهى الوحي نزولاً ثم مات الرسول الخاتم ونحن لا نعرف إلى أي حد طبق الرسول الخاتم أوامر ربه ولا نعرف إلى أي حد تحددت درجته بين الأنبياء," وقولك :" أما آن لنا أن ندع عبارات تعارفنا عليها ما انزل الله بها من سلطان مثل قولنا عن رسولنا : أشرف المرسلين ، سيد المرسلين..؟
- يقول الدكتور صبحى : هذه مجموعة أسئلة وليست سؤالاً واحداً لكن سأجيب عليها بالوثائق وباختصار.. أولاً الاجتهاد الذي قمت به أثناء عملي في جامعة الأزهر مدرساً مساعداً1977ـ 1980 لا يختلف عن الآراء السابقة في هذا التحقيق ، وهذا الاجتهاد جاء تطبيقاً لقانون الأزهر نفسه الذي يوجب على عضو هيئة التدريس الاجتهاد في حقائق الإسلام ، وهذا الاجتهاد في تجلية حقائق الإسلام يعنى الإتيان بالجديد معززاً بالدليل ومخالفاً للمألوف وما وجدنا عليه آباءنا ، ولكن كوفئت على هذا الاجتهاد غير المسبوق بالتعطيل في مناقشة رسالة الدكتوارة لمدة ثلاث سنوات إلى أن قمت بحذف ثلثى الرسالة, وحصلت على الدكتوراة سنة 1980 بعد أن أكدت تناقض التصوف مع دين الاسلام. وبعدها كان لزاما على أن أبحث التراث السنى الذى كنت أنتمى اليه وقتها محاولا اصلاحه من داخله، وفى سنة1985 أصدرت خمسة كتب دفعة واحدة قررتها على طلابى فى جامعة الأزهر, وكنت اعدها أيضا للحصول على الترقية لدرجة أستاذ مساعد ، وكانت العادة أن كتابا واحدا يكفى للترقية التى كان موعدها عام 1985. وكانت المكافأة الكبرى هى وقفي عن العمل وإحالتي للتحقيق ومنعي من الترقية والسفر ، وبعد التحقيق جاءت التوصية بإحالتي لمجلس التأديب متهماًـ ليس بإنكار السنة ـ ولكن بإنكار الشفاعة العظمى والعصمة المطلقة للنبي وإنكار تفضيله على الأنبياء السابقين ، وكان واضحاً أنهم الخصوم والقضاة في نفس الوقت ، يملكون الجاه ولا يملكون الحجة والبرهان ، ومن هنا استخدموا كل ما يستطيعون للضغط على لأتراجع عن آرائي بالتهديد والوعيد.. ورفضت وجبنوا عن إصدار قرار بالإدانة واختاروا أسلوباً أشد مكراً ، فالقانون يقول ( المحال إلى التأديب إذا مر عليه عام بدون إدانة فان الاتهام يسقط ) ولذلك فانهم قبل أن ينتهي العام أعادوا نفس الاتهام لكي أظل محروماً من العمل ومن مستحقاتى المالية ومن الترقية ومن السفر إلى أن استجيب وأوافقهم.. وكان من الممكن أن أوافقهم خصوصاً وهم يملكون المنح والمنع وأنا لا أملك شيئاً من حطام الدنيا ،ولكن قدمت استقالتي المسببة فرفضوا قبولها وفزعوا منها ، فرفعت ضدهم دعوى في مجلس الدولة لإلزامهم بقبول الاستقالة واعتبرت نفسي مستقيلاً من هذه الجامعة. وجاءهم الإنذار من مجلس الدولة فاضطروا لإرسال خطاب لي يفيد بأن الإستقالة التي قدمتها سيناقشها مجلس الجامعة ، وحين أوشك مجلس الدولة على إصدار حكم في قضيتي بادروا هم بإصدار قرار بالعزل لمن قدم استقالة من قبل ترفعا بنفسه وعلمه من ان يكون فى موضع يتحكم فيه أعداؤه الذين هم أقل منه علما وخلقا.
إن قرارهم المزعوم بالعزل جاء ـ وقتها ـ مدعماً بذلك التقريرالذى ينضح حقداً على باحث شاب يحترم نفسه ودينه وعقله ، لذلك تناثرت في هذا التقرير إتهامات أخرى لم تأت أصلاً في قرار الإتهام ، وحفل ذلك التقرير باصطياد أخطاء مفتعلة الهدف منها التكفير ، ومنها على سبيل المثال إنني في كتابي " العالم الإسلامي بين عصر الخلفاء الراشدين وعصر الخلفاء العباسيين " كتبت أرصد الفجوة بين عقائد المسلمين في عصر قوة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين وبين عقائد المسلمين في العصر المملوكى حين سيطر عليها التصوف ، فعرضت مقارنة بين مسيلمة الكذاب الذي جعلوه كاذباً لمجرد إدعائه النبوة مع إيمانه بخاتم النبيين وبين الشيخ إبراهيم الدسوقى في العصر المملوكى الذي ادعى الألوهية في كتابة المشهور ( الجوهرة ) وهو كتاب منشور ومطبوع ويباع على أسوار الأزهر ، وقارنت ساخراً بين{ الشيخ مسيلمة الكذاب} و{الشيخ إبراهيم الدسوقى} الذي ادعى الألوهية وحظي بالتقديس ولا يزال مقدساً لدى الأزهريين حتى اليوم مع ادعائه الألوهية. هذا ما فعلته في رصد الفجوة التاريخية في ذلك الكتاب بين تدين المسلمين في عصر الخلفاء الراشدين وتدينهم في عصور التصوف والخرافة, معززا بالأدلة. فماذا فعلت اللجنة الموقرة التى كانت الخصم والحكم.؟ استخلصوا مما كتبته إنني أدافع عن مسيلمة الكذاب وألمحوا إلى إنني أسانده في ادعائه للنبوة لأني أقول عليه الشيخ مسيلمة ،وأسسوا على ذلك اتهاما آخر بأننى أنكر أن يكون محمد خاتم الأنبياء ، وتناسوا تماماً قصة إبراهيم الدسوقى والهدف منها.. ثم ناقضوا أنفسهم في نفس التقرير حين استشهدوا بنص أصف فيه النبى (ص) بأنه " الرسول الخاتم " أي خاتم الأنبياء المرسلين وهذا هو الوصف الذي التزمت به في كتاب " الأنبياء في القرآن " ومع ذلك يجرأون على اتهامي بإنكار أن يكون محمد عليه السلام خاتم النبيين.
وبنفس الطريقة اقتطعوا من السياق عبارة لى تقول: " ثم انتهى الوحي نزولاً ، ثم مات النبي الرسول الخاتم ونحن لا نعرف إلى أي حد طبق الرسول الخاتم أوامر ربه ولا نعرف إلى أي حد تحددت درجته بين الأنبياء".. وبعدها عبارة أغفلوها تتحدث عن النبي الخاتم{ قد يكون قد سبقه فى الفضل آخرون من الأنبياء وقد يكون قد تفوق على آخرين من الأنبياء السابقين. علم ذلك عند الله تعالى وحده، وليس لنا أن نحكم فيه فنحن أقل شأنا من الأنبياء المكرمين ولا يجوز لنا أن نحكم ـ غيبا ـ عن الأفضل من بينهم، فذلك لله تعالى وحده, وعلينا أن نؤمن بهم جميعا دون أن نفرق بين أحد منهم كما تكررت لنا الأوامر مرتين فىسور البقرة ومرة فىسورتى آل عمران والنساء.} أغفلوا ذلك كله ثم بعدها جاءوا بعبارة {" أما آن لنا أن ندع عبارات تعارفنا عليها ما انزل الله بها من سلطان مثل قولنا عن رسولنا : أشرف المرسلين ، سيد المرسلين }" وأغفلوا العبارة التي بعدها التي تؤكد أن كل الأنبياء أشرف البشر وأنهم جميعاً عباد الله المصطفون ولا سيد لهم إلا الله تعالى.
تركوا ذلك كله واتهموني بإنكار أفضلية النبي مع إنني توقفت في الحكم فيها ، ولم أقل بها ولم أدع إليها ولم أنكرها وإنما قلت أن الذي يفاضل بين الأنبياء إنما يجعل نفسه حكماً عليهم ويضع نفسه فوقهم جميعاً وتلك منزلة المولى سبحانه وتعالى وحده. وكل ما استفادوه من تلك العبارة هى إتهامهم لي بأنني أشكك في تبليغ النبي للرسالة مع أن العبارة تقول " ثم انتهى الوحي نزولاً ثم مات النبي الرسول الخاتم " وكتاب الأنبياء لا يخلو سطر فيه من آية قرآنية أو تعليق عليها ، وتمسكى بالقرآن والأحتجاج به أكبر دليل على ايمانى بأن خاتم النبيين قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ولكن يكفى اننى كنت أقول " قال الله تعالى " وهم يردون على ب : قال " النووي " وقال فلان.. وفى النهاية أقول لهم ودائماً " اعملوا على مكانتكم انا عاملون وانتظروا انا منتظرون."
,لكن بماذا تفسر كل هذا الهجوم عليك بالذات من الشيوخ مع أن أدلتك من القرآن ودفاعك عن الاسلام ، و هناك آخرون من العلمانيين يهاجمونك أيضا قائلين أنك من نفس فصيلة الشيوخ. أن الفريقين قد اتفقا على شىء وحيد هو الهجوم عليك. ماذا تفسر هذا الموقف الغريب ؟
أولا: انا أعتز بصداقتى لأخوانى المثقفين العلمانيين ، واحترم حق الجميع فى حرية الفكر والاعتقاد لأن حرية الفكر والعقيدة فى الاسلام بلا حدود ولا قيود وكل انسان مسئول عن اختياره الدينى والعقيدى امام الله تعالى فقط يوم القيامة.
ثانيا: اشهد بأن حقائق الاسلام ـ المنسية والمغيبة عمدا والتى أجاهد فى سبيل اظهارها ـ هى نفسها القيم الانسانية العليا من الحرية والعدل والتسامح والسلام والرحمة وحقوق الانسان ، وهى أيضا نفس القيم العليا للعلمانية الشريفة. هما معا ـ الاسلام الحق والعلمانية الفاضلة ـ ضد الكهنوت الدينى والسياسى و الطغيان والظلم والاستبداد والاضطهاد الدينى والعنصرى والاستعلاء والاستغلال. لذلك فنحن فى نفس المعسكر نواجه نفس العدو فى حرب سلمية فكرية عقلية. قد تختلف أنواع الذخيرة ،فذخيرتى أو أدلتى من القرآن والثراث وهم لهم أدلتهم الأخرى ، وهذا وارد بل مطلوب. ولكن بعض العلمانيين المتطرفين لا يرى ذلك كرها فى الاسلام ذاته. وهذا اختياره ونحن نحترم حق الجميع فيما يختارونه لنفسهم ومستقبلهم يوم القيامة ، يسرى ذلك على كل انسان طالما لم يرغم الآخرين فى الدين والفكر والمعتقد.
ثالثا " اننى افخر بصداقتى لرواد العلمانية المناضلين فى سبيل الحرية وحقوق الانسان ، وأعتبر عملى معهم جهادا فى سبيل الله تعالى ، انه الفريضة الغائبة حقا ، ذلك الجهاد السلمى الذى ينشد الاصلاح على طريق الانبياء والمرسلين وضد الحكام الطغاة و سفاكى الدماء البريئة ومحترفى التجارة بالدين والدجالين من شيوخ الثعبان الاقرع.
رابعا " خصومتى مع شيوخ الثعبان الأقرع ليست خصومة شخصية وانما هو الصراع بين تيارين مختلفين فى الدين والفكر. الاختلاف الفكرى بيننا هو استمرار للصراع بين المجددين والمقلدين ، وهو صراع ممتد فى تاريخ الحركة الفكرية للمسلمين ، بدأ فى مطلعها بين مدرسة الرأى التى أسسها أبو حنيفة ومدرسة الحديث التى أسسها مالك ولم تنته بالصراع حول تحديث الآزهر الذى قاده محمد عبده ووقف ضده الشيخ عليش وامثاله فى أوائل القرن الماضى.
اذن الصراع الفكرى موجود بل ومطلوب. بيد ان المشكلة أن هذا الصراع يثمروينتج ايجابيا حين يكون المناخ صحيا والمستوى الفكرى مزدهرا كما كان الحال عليه فى عصر الازدهار الفكرى للعصر العباسى الأول. عندها ينحصر الخلاف فى الرأى فقط دون المساس بالاشخاص المختلفين ، أى بدون تكفير أو تحقير أو تخوين. عندها تتردد عبارات ذهبية من نوعية " كلامنا صواب يحتمل الخطأ وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب". و" من اجتهد فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر " " كل بنى آدم خطاءون ، وخير الخطائين التوابون" " كل منا يؤخذ منه ويرد عليه ".
ويسوء الخلاف الفكرى ويتحول الى تكفير وتخوين وتجريح للمخالف فى الرأى واضطهاد له ودعوة الى قتله وملاحقته حين يتسيد الحركة الفكرية والدينية الشيوخ الراقصون فى مواكب السلطان الخادمون للأمراء والحكام المتلاعبون بعقول العوام ، او باختصار " شيوخ الثعبان الأقرع ". ليس لديهم العلم ولا الخلق ولا الحجة ولا البرهان. وحتى لو أرادوا فليس لديهم الوقت اذ وهبوا وقتهم للنفاق والمواكب واكل أموال الناس بالباطل والضحك على الذقون. وحتى اذا تفرغ أحدهم للبحث فليس لديه موهبة البحث وملكة الابداع التى تولد منذ الصغر وتدفع صاحبها من بداية حياته للتفرغ والاستغراق فى مجال بحثه ينام به ويصحو عليه ، ويعطيه التفرغ للبحث والدرس والقراءة والتفكر اعتدادا بالنفس لا يمكن معه أن يحنى رأسه لحاكم نصاب أو قصاب. ولأن شيوخ الثعبان الأقرع ليس من مناقبهم المباركة الاجتهاد فى أمور التدين بما ينفع الناس فالحل المتاح لديهم هو الأخذ عن فتاوى السابقين وفرضها على عصرنا. واذا كان مستحيلا بعث الائمة الموتى من القبورليعيشوا عصرنا فانه ليس صعبا ان يرجعوا بنا وبعصرنا ـ عصر التقدم العلمى المذهل ـ الى عصور القرون الوسطى المظلم منها أوالمضىء حسب التساهيل.
فماذا اذا رفض الناس العودة للماضى وتمسكوا بحقهم فى أن يعيشوا عصرهم بفكر اسلامى جديد قائلين ان الاسلام صالح لكل زمان ومكان ؟ الجواب : نقدم لهم الماضى فى صورة وردية فقط ومحصنة باحاديث نبوية من انكرها او ناقشها كان كافرا.
فماذا اذا أصر بعض الناس على النقاش واكثروا من السؤال واقلقوا منا راحة البال ؟ الجواب : نسلط عليهم عذاب القبر ونطلق عليهم الثعبان الأقرع.
فماذا اذا خرج علينا ذلك الأزهرى المتمرد وكشف لعبة الثعبان الأقرع ؟ الجواب..
الجواب : اذا أردت الجواب فاقرأ هذا الموضوع من أوله ..

No comments: