Monday, May 14, 2007

الحقيقة الغائبة - فرج فودة(4)1

قراءة جديدة في أوراق العباسيين

ليست الدولة العباسية في حاجة إلى تقديم ، فقد قدمت نفسها على يد مؤسسها ، السفاح ، أول خلفاء بني العباس ، المعلن على المنبر يوم مبايعته ( أن الله رد علينا حقنا ، وختم بنا كما افتتح بنا ، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح ، والثائر المبير ) .

وقد أثبت السفاح أنه جدير بالتسمية ، فقد بدأ حكمه بقرارين يغنيان عن التعليق وأظن أنه ليس لهما سابقة في التاريخ كله ، كما لا أظن أن أحداً بعد السفاح قد بزه فيما أتاه ، أو فاقه فيما فعل :

* أما القرار الأول ، أو القرار رقم (1) بلغة العصر الحديث فهو أمره بإخراج جثث خلفاء بني أمية من قبورهم ، وجلدهم وصلبهم ، وحرق جثثهم ، ونثر رمادهم في الريح ، وتذكر لنا كتب التاريخ ما وجدوه :

فيقول ابن الأثير( الكامل في التاريخ لابن الأثير ) :

(فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد ، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته ، وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح ، وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس)

ويروي المسعودي القصة بتفصيل أكثر فيقول ( مروج الذهب للمسعودي ) :

(حكى الهيثم بن عدي الطائي ، عن عمرو بن هانئ قال : خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام أبي العباس السفاح ، فانتهينا إلى قبر هشام ، فاستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلا خورمة أنفه ، فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطاً ، ثم أحرقه ، واستخرجنا سليمان من أرض دابق ، فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه ، فأحرقناه ، وفعلنا ذلك بغيرهم من بني أمية ، وكانت قبورهم بقنسرين ، ثم انتهينا إلى دمشق ، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً ، واحتفرنا عن عبد الملك فلم نجد إلا شئون رأسه ، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فلم نجد إلا عظماً واحداً ، ووجدنا مع لحده خطاً أسود كأنما خط بالرماد في الطول في لحده ، ثم اتبعنا قبورهم في جميع البلدان ، فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم ) .

ولعلي أصارح القارئ بأنني كثيراً ما توقفت أمام تلك الحادثة بالتأمل ، ساعياً لتفسيرها أو تبريرها دون جدوى ، مستبشعاً لها دون حد ، فقد يجوز قتل الكبار تحت مظلة صراع الحكم ، وقتل الصغار تحت مظلة تأمين مستقبل الحكم ، ومحو الآثار تحت مظلة إزالة بقايا الحكم ( السابق ) لكن إخراج الجثث .. وعقابها .. وصلبها .. وحرقها .. أمر جلل ..

والطريف أن البعض رأى في ذلك معجزة إلهية ، فالجثة الوحيدة التي وجدت شبه كاملة .. وعذبت ( إن جاز التعبير ) وصلبت .. وحرقت ثم نثر رمادها في الريح هي جثة هشام بن عبد الملك ، وقد رأى البعض في ذلك انتقاماً إلهياً من هشام إذ خرج عليه زيد بن علي بن الحسين ، وقتل في المعركة ، ودفنه رفاقه في ساقية ماء ، وجعلوا على قبره التراب والحشيش لإخفائه ، فاستدل على مكانه قائد جيش هشام ، ( فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام ، فكتب إليه هشام : أن اصلبه عرياناً ، فصلبه يوسف كذلك ، وبنى تحت خشبته عموداً ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وذروه في الرياح ) ( مروج الذهب للمسعودي – ج3ص219 ) .

وإذا فسرنا ما حدث لهشام بالانتقام وبالجزاء من جنس العمل ، فماذا نفسر ما حدث لغيره ، وفي أي نص من كتاب الله وسنة رسوله وجد العباسيون ما يبرر فعلتهم ، وأين كان الفقهاء والعلماء من ذلك كله ، أين أبو حنيفة وعمره وقتها قد تجاوز الخمسين ، وأين مالك وعمره وقتها قد تجاوز الأربعين ، ولم لاذوا بالصمت ولم لاذ غيرهم بما هو أكثر من الصمت ، أقصد التأييد ، والتمجيد ، والأشعار ، ورواية الأحاديث المنسوبة للرسول والمنذرة بخلافة السفاح ومنها ما أورده ابن حنبل في مسنده مثل ( يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن ، يقال له السفاح ، فيكون إعطاؤه المال حثياً ) .

ومثل ما ذكره الطبري من ( أن رسول الله أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده ، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ) .

أو لعلهم كانوا بقصة مأدبة السفاح ، وهي ما أشرنا إليه بالقرار الثاني في خلافته ، وهو قرار خليق بأن في أيامنا هذه في معاهد السينما كنموذج رائع لحبكة الإخراج ، وتسلسل السيناريو وترابطه ، ليس هذا فحسب ، بل أن القرار قد سبقته ( بروفة ) ، أي تجربة حية في نفس موقع التمثيل .

ولن يشك القارئ في أن كل ما حدث كان مرتباً ، وأن الأقدمين كانوا على دراية واسعة بفن التشويق ، وكانوا أيضاً على مقدرة كبيرة في تدبير المفاجأة ، ثم تبريرها بحيث تمر طبيعية ومتناسقة ومتسقة مع سياق الأحداث ، ولنبدأ بالبروفة ولنقرأها معاً كما ذكرها ابن الأثير ( الكامل في التاريخ لابن الأثير – ج4 ص 333 ) ( دخل سديف " الشاعر " على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك ، وقد أكرمه فقال سديف :

لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء دوياً

فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أموياً

فقال سليمان : قتلتني يا شيخ ، ودخل السفاح وأخذ سليمان فقتل )

ومن قراءة ما ذكره ابن الأثير يمكن ترتيب سيناريو الأحداث على النحو التالي :

السفاح يؤمن أحد كبار الأمويين ( نجل خليفة سابق ) – السفاح يبالغ في تأمينه وطمأنته بدعوته إلى الطعام ، وإكرامه – يدخل شاعر على السفاح ويبدو دخوله كأنه مفاجأة – ينطق الشاعر بأبيات تدعو للانتقام من الأمويين وتستنكر معاملتهم بالرفق واللين – يصرخ الأموي قائلاً : قتلتني يا شيخ – ينفعل الخليفة بقول الشاعر فيقتل الأموي – ينتهي المشهد .

والآن إلى القرار أو الحادثة أو الفيلم الكامل لما فعله السفاح بعد ذلك وكرر فيه نفس ما حدث في البروفة ، مع إتقان أكثر ، وتفنن غير مسبوق في التمثيل ( بالأمويين ) ، ولنقرأ معا ما ذكره ابن الأثير :

( دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم " وفي رواية أخرى سديف " على عبد الله بن علي " وفي رواية أخرى على السفاح " وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام فأقبل عليه شبل فقال :

أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس

طلبوا وتر هاشم فشفوها بعد ميل من الزمان وباس

لا تقيلن عبد شمس عثارا واقطعن كل رقلة وغراس

ذلها أظهر التودد منها وبها منكم كحر المواسي

أنزلوها بحيث أنزلها الله بدار الهوان والإتعاس ( إلى آخر القصيدة .. )

فأمر بهم عبد الله ( وقيل أنه السفاح ) فضربوا بالعمد حتى قتلوا وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا ) .

والرواية السابقة تبدأ بتأمين السفاح للأمويين الذين زاد عددهم هذه المرة إلى تسعين ، والمأدبة هي نفسها ، وما دام المضيف هو الخليفة فالكرم وارد ، والطمأنينة لا حد لها ، وفجأة يدخل الشاعر ، ويستنكر اكرامهم ، ويدعو للثأر منهم ، فيتغير وجه الخليفة ، ويقوم إليهم ثائراً ، و...

وهنا نتوقف لأن هنا جديداً مفزعاً ، فقد أمر السفاح بضرب رؤوسهم بأعمدة حديدية ، بحيث تتلف بعض مراكز المخ ، ويبقى الجسد حياً ، مصطرعاً بين الحياة والموت ، وما أن يرى السفاح أمامه تسعين جسداً منتفضاً ، تقترب مسرعة من الموت ، وترتفع أصواتها بالأنين ، حتى يأمر بوضع مفارش المائدة فوقهم ، ثم يجلس فوق هذه المفارش ، ويأمر بالطعام فيوضع أمامه فوق الأجساد ، ويبدأ في تناول عشائه بينما البساط يهمد هنا ويهمد هناك ، وبين همود وهمود ، يزدرد هو لقمة من هذا الطبق ، ولقمة من ذاك ، حتى همد البساط كله ، ففرغ من طعامه ، وتوجه إلى الله بالحمد ، وإلى حراسه بالشكر ، وإلى خاصته بالتهنئة ، ولعله قال لنفسه ، أو لخاصته ، والله ما أكلت أهنأ ولا ألذ ولا أطيب من هذا الطعام قط ، فليس أقل من هذا الحديث ما يلائم سلوك السفاح ، ذلك الذي يزدرد اللقيمات على زفرات الأنين ، ويساعده على الهضم صعود الأرواح ، وقد نفهم أن يقتل الحاكم الجديد حكام الأمس ، أو أن يتخلص بالقتل من منافسيه على الحكم ، أو مناوئيه على السلطة ، فقد حدث هذا كثيراً ، وأقرب نماذجه مذبحة المماليك بالقلعة على يد محمد علي ، لكن ما لا نفهمه ، أن يجلس الخليفة فوق الضحايا ، وأن يهنأ له الطعام فوق بركة من الدماء ، وعلى بساط يترجرج مع اصطراع الأجساد ، وعلى أنغام من صراخ الضحايا حين يواجهون الموت ، بل ربما وهم يسعون إليه هرباً من الألم والعذاب ..

نحن هنا أمام تساؤل تطرحه هذه الحادثة، وأمثالها كثير، قبل السفاح وبعد السفاح ، ربما ليست بهذه الروعة في الإخراج ، أو الحنكة في التدبير ، أو السادية في العبير ، لكنها في النهاية تحمل نفس الدلالة وتنقل إلينا نفس الرسالة ، يتساوى في ذلك مقتل حجر بن عدي على يد معاوية أو الحسين على يد يزيد أو ابن الزبير على يد الحجاج أو ( زيد بن علي ) على يد هشام .

والتساؤل عن كنه الخلافة التي يدعون أنها إسلامية وينادون بعودتها من جديد ، هل هي إسلامية حقاً فنزنها بمقياس الإسلام ، فتخرج منه ، وتنبوعنه ، وينتهي الحوار حولها إلى موجز مفيد ، فحواه أنهم ادعوا أنها إسلامية فأثبتنا أنها لم تكن ، وكفى الله المؤمنين شر ( الخلافة ) ، أم أنها كانت حكماً استبدادياً يتستر برداء الدين ، فنثبت عليهم الحجة ، ونلقمهم حجراً علمانياً حين نوضح لهم الفرق بين استبداد الحكم الديني في العصور الوسطى ، عصور الاستبداد والتعذيب والجبروت ، وعلمانية العصر الحديث ، عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام الآدمية .

أحسب أن الأمر لا يخرج عن ادعاء من الادعاءين ، وأحسب أيضاً أن الإجابة واضحة في الحالين ، غير أن ذلك كله يطرح سؤالاً أكثر وضوحاً ، وهو لوضوحه وبساطته لا يحتاج من القارئ إلى جهد أو اجتهاد لإجابته :

ه ل صحيح أن العلمانية هم غرب لا هم شرق ، وأنها مبررة في الغرب باستبداد الحكم بالدين أو باسم الدين ، بينما لم نعرف نحن في الشرق نظيراً لذلك ، أو مثالاً له ؟ ، أحسب أنه لو كان مبرر العلمانية في الغرب هو استبداد الحكم في الكنيسة ، لكان مبررها في الشرق هو استبداد الحكم في ظل ( الخليفة ) ، سلطان الله في أرضه ، القاتل لمن يشاء ، المانح للعطاء ، والمانح للبلاء .

وإذا كان السفاح قد وصف نفسه على المنبر بأنه السفاح المبيح ، فأن رياح بن عثمان والي الخليفة المنصور على المدينة قد وصف نفسه على منبر الرسوم بما هو أنكى حيث قال :

( يا أهل المدينة ، أنا الأفعى ابن الأفعى ) ( اليعقوبي – ج2ص251) .

وإذا تباهى الخلفاء بأنهم سفاحون ، وتباهى الولاة بأنهم أولاد الأفاعي ، أيبقى من يدعي أن الاستبداد باسم الدين هم غرب ، وأن العلمانية كخلاص منه فكر غربي وافد لا علاقة له بواقع الشرق وهمومه ؟

أحسب أن البعض الآن يردد بينه وبين نفسه ، ها هو يصطاد في الماء العكر ، ويتوقف كثيراً عند السفاح حتى ينال مأربه في الطعن في الخلافة الإسلامية ، لكن ردنا عليه يسير ، فليست هناك علاقة بين السفاح وبين الإسلام أو الحكم به ، فليقل عنه ما يشاء ، وليطعن فيه كما يشاء ، وليحاور وليداور ، فليس في هذا كله غناء ، فالمسافة بين حكم السفاح والحكم بالإسلام كالمسافة بين الأرض ، سابع أرض ، والسماء ، سابع سماء ..

ولحسن الحظ – حظي وحظ القارئ – أن الرد على ذلك من أيسر ما يكون ، فلولا الإسلام ، المظهر لا الجوهر ، والرداء لا المضمون ، ما فعل السفاح ما فعل ، لا هو ولا سابقوه ، ولا لاحقوه ، فأي ولاء كان يربط المصري مثلاً بالسفاح في الأنبار ، أليس هو الولاء لخليفة المسلمين ، وللحاكم باسم الإسلام ، وأي دافع لهذا الولاء ، أليس الدافع هو الارتباط بالإسلام ، وجيوش الأحاديث النبوية التي نسبها الوضاعون للرسول حول خلافة بني العباس ، واجتهادات الفقهاء عن طاعة الخليفة ولو كان غاشماً ، وفسق الخارج عن الطاعة ، وكفر المفارق للجماعة ، وأي مدخل ساقه السفاح في خطاب توليته وتناقله الرواة ، وردده الوعاظ ، أليس هو مدخل العدل والتقى والعقيدة ، أليس هو القائل على المنبر( تاريخ الأمم والملوك للطبري – ج16 ص82 – 84) :

( الحمد لله الذي اصطفى الإسلام وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته – إني لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح وما توفيقنا أهل البيت إلا الله ) .

ولأنه كان متوعكاً فقد أكمل داود بن علي الخطبة فقال :

( لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل فيكم بكتاب الله ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم – ألزموا طاعتنا ولا تخدعوا عن أنفسكم فإن الأمر أمركم ، فإن لكل أهل بيت مصراً وإنكم مصرنا ، إلا وأنه ما صعد منبركم هذا " يقصد منبر الكوفة " خليفة بعد رسول الله إلا أمير المؤمنين علي وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد " وأشار بيده إلى أبي العباس " فاعملوا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم )

الحكم بما أنزل الله إذن كان وسيلته إلى قلوب الناس وبيعتهم وولائهم ..

السير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله كان ما عاهد عليه الناس وما بايعه الناس عليه .

الحديث المختلق عن خلافة العباسيين حتى يسلموها إلى عيسى بن مريم كان السبيل إلى استسلام الرعية لقدرها ، والانشغال عن ظلم الولاة ، بصدق النبوءة المدعاة ..

هكذا بدأ أمر العباسيين ، وهكذا يبدأ أي أمر للحكم الديني وتحت نفس الدعاوي البراقة ، التي نسمعها كما سمعها الكوفيون بالأمس .. الحكم بما أنزل الله .. السير بسيرة رسول الله .. تطبيق شرع الله .. العدل .. البركة .. وهكذا كان ينتهي الأمر دائماً .. كما رأينا في أول عهد السفاح ثم كما سنرى بعد عهد السفاح ، ذلك الذي لا ينتهي الحديث عنه ، إلا بذكر سنة استنها ، ثم أصبحت قاعدة لمن تلاه من خلفاء بني العباس ، ونقصد بها عدم احترام العهود والمواثيق ، والفتك بالأنصار قبل المناهضين .

وقد فعل السفاح ذلك في واقعتين شهيرتين الأولى حين أعطى ابن هبيرة قائد جيوش مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين ، كتاباً يحمل إمضاءه ويتعهد له بالأمان ، ثم قتله بعد أيام من استسلامه ، والثانية حين قتل وزيره أبا سلمة الخلال أحد مؤسسي الدولة العباسية في الكوفة ، وتعمد أن يتم ذلك على يد أبي مسلم الخراساني ، المؤسس الأول للدولة ، حيث لا يعرف تاريخ الدولة العباسية في عهد السفاح فضلاً إلا لرجلين ، أولهما أبو مسلم الذي أسس الدولة في خراسان وسلم الخلافة إلى السفاح ، وثانيهما عبد الله بن علي عم السفاح وقائد جيوش العباسيين في موقعة الزاب التي انتصر فيها على الأمويين انتصاراً نهائياً ، ويقال أن السفاح كان يسعى لقتل الاثنين ، وهو ما لا نجد دليلاً عليه في كتب التاريخ .

غير أن أبا جعفر المنصور ، ثاني الخلفاء العباسيين ، والمؤسس الحقيقي للدولة العباسية ، والذي يحتل فيها موقعاً مناظراً لموقع معاوية في دولة الأمويين ، قام بذلك الواجب خير قيام ، فسلط أولاً أبا مسلم الخراساني لقتل عبد الله بن علي ، ثم تولى هو بنفسه قتل أبي مسلم ، ولم يشفع له صياح أبي مسلم : استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك ، بل رد عليه : وأي عدو لي أعدى منك ؟

وليس للقارئ أن يتعجب حين يعلم أن أبا مسلم لم يفعل للسفاح ثم للمنصور إلا ( كل الخير ) ، وأنه كان صاحب الفضل الأول عليهما وعلى دولتهما ، لكن ذلك بالتحديد كان سبب قتل المنصور له ، فقد دخل عليه ولي عهده ( عيسى بن موسى ) فوجد أبا مسلم قتيلاً ، ( فقال : قتلته ؟ قال : نعم ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، بعد بلائه وأمانته ؟ فقال المنصور : خلع الله قلبك ! والله ليس لك على وجه الأرض عدو أعدى منه ، وهل كان لكم ملك في حياته ؟ )

هذا نموذج مثالي لما عرف باسم الميكيافيلية ، نسبة إلى ( ميكيافيلي ) ، والتي نوجز في تبرير الوسيلة بالغاية ، وتفصل في تطبيق ذلك على شئون الحكم وسيرة الحكام ، وتبدو جلية على يد المنصور ، الذي وطأ بأقدامه أعناق الرجال ، وتفرد بأسلوبه المميز في الحكم ، فهو يبدأ أولاً بالتخلص من أصحاب الفضل عليه ثم يتحول إلى المعارضين وهو لا يعرف إلا القتل وسيلة للقضاء على معارضيه ، ولا يعرف للعواطف سبيلاً ، ولا تعرف العواطف إليه طريقاً .

ولأنه قوي لم يحترم إلا القوة ، ولعل هذا ما يفسر إعجابه بهشام بن عبد الملك ، ووصفه له بأنه ( رجل بني أمية ) ، ثم إعجابه الشديد بعبد الرحمن بن معاوية بن هشام ، والخليفة الأموي في الأندلس ، وعلى الرغم من هزيمة جيشه على يديه في أشبيليه ، بل ربما يسبب هذه الهزيمة التي لم تردعه ، ولم تمنعه من محاولة استمالته بالهدايا ، ووصفه قائلاً : (.. اقتحم جزيرة شاسعة المحل ، نائية المطمع ، عصبية الجند ، ضرب بين جندها بخصوصيته ، وقمع ببعض قوة حيلته ، واستمال قلوب رعيتها .. إن ذلك لهو الفتى الذي لا يكذب مادحه ) .

بل يقال أن المنصور هو الذي سمى عبد الرحمن بصقر قريش ، ولما فشل في استمالته بالتودد أظهر وجهاً آخر لأسلوبه السياسي ، وهو الوجه الذي أظهره تشرشل في الحرب العالمية الثانية عندما أعلن أنه مستعد للتحالف مع الشيطان لهزيمة النازية ، وهو نفس ما فعل أبو جعفر ، حين تحالف مع ( شارلمان ) ثم مع ( ببين ) ملكي الفرنجة ، ضد عبد الرحمن الخليفة الأموي المسلم ، وهو التحالف الذي فشل في هزيمة عبد الرحمن ، ونجح في ذات الوقت في اقرار القاعدة المنصورية :

افعل أي شيء .. اسلك أي سبيل .. تحالف مع أعدى الأعداء .. المهم أن تصل إلى غايتك .. وتنتصر على عدوك ، وخلال ذلك كله انس الإسلام ، وتغافل عن أحكام القرآن ، وتجاهل السنة ، وابتعد بقدر ما تستطيع عن سيرة الراشدين ، وتذكر فقط أنك ( سلطان الله في أرضه ) ( وصف المنصور لنفسه في خطبة شهيرة بالمدينة ) ( وظل الله الممدود بينه وبين خلقه ) ( التعبير الأدبي الشائع عند وصف الخلفاء في العصر العباسي الأول ) ، واستند في حكمك إلى حق بني العباس في الخلافة ، وليس إلى حق الرعية في الإختيار .

ولعل هذا المنهج هو ما قاد العلويين إلى مناهضة المنصور ، فما دام النسب هو الفيصل ، فهم أقرب إلى الحكم ، وأحق بالخلافة ، وقد دار حوار طريف بين المنصور من ناحية ، ومحمد العلوي المشهور باسم ( النفس الزكية ) وأخيه إبراهيم من ناحية أخرى ، ومبعث الطرافة أن الحوار كله يدور حول إثبات أحقية الخلافة بالنسب ، مع تجاهل كامل لما يسمى بالشعب ، أو ما كان يطلق عليه وقتها اسم الرعية ، فمحمد ( النفس الزكية ) وأخوه إبراهيم ، يريان أنهما من نسل علي وفاطمة ، وأنهما حفيدا الرسول ، وأنهما بهذا ولهذا أحق ، والمنصور يرى أن العم أقرب من ابن العم ، وأنه بذاك ولذاك أحق ، وأنا – بعد استئذان القارئ – أرى أنها مأساة أن أبايع حاكماً لمجرد أنه من نسل علي ، أو أناصر حاكماً آخر لأنه من نسل العباس ، وأتجاوز فأقول : أنه لو عاش للرسول من نسله ذكور ، ما بايعت حفيداً من أحفاده لمجرد انتسابه إليه ، فالنبوة لا تورث ، والصلاح لا ينتقل بالضرورة للأبناء ، ولا مانع أن يكون ( نوح ) نبياً ، وأن يكون ابنه في ذات الوقت ( عمل غير صالح ) .

غير أن الطريف في حوار المنصور والنفس الزكية ، أنه انتقل إلى الغمز، فالنفس الزكية يرد على عرض المنصور بالأمان بغمزة موجعة حين يذكر ( أي الأمانات تعطيني ؟ أمان ابن هبيرة ؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي ؟ أم أمان أبي مسلم ؟ ) ، فيرد عليه المنصور غامزاً في الحسن " جد النفس الزكية " قائلاً : ( ثم كان الحسن فباعها معاوية بخرق ودارهم ، ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية ، ودفع الأمر إلى غير أهله ) .

والمنصور يشير إلى مبايعة الحسن لمعاوية أو بمعنى أدق إلى الصلح بينهما ، ذلك الصلح الذي أثار مشكلة بسبب بطء ( وسائل الاتصال ) في تلك الأيام ، فقد أرسل الحسن إلى معاوية يصالحه على شروط مالية . وفي نفس الوقت كان معاوية قد ارسل إلى الحسن صحيفة بيضاء ختم أسفلها وترك للحسن أن يشترط فيها ما يشاء ، ووصلت الرسالتان في وقت واحد ، وطمع الحسن فكتب في صحيفة معاوية شروطاً جديدة طلب فيها أضعاف ما طلب في رسالته ، وعندما التقيا تمسك معاوية بخطاب الحسن وتمسك الحسن بخطاب معاوية ثم تصالحا على خمسة ملايين هي أموال بيت مال الكوفة ( تاريخ الأمم والملوك للطبري، ج4 – ص121 – 125 ) .

ولسنا في مجال تقييم فعل الحسن ، وحسبنا أن نذكر أنه استراح وأراح ، أراح المسلمين من القتال ، وأراح عبد الله بن عباس ( الذي ما أن علم بالذي يريد الحسن عليه السلام أن يأخذه لنفسه حتى كتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها فشرط ذلك له معاوية ) .

وسوف يهنأ ابن عباس بما حصل عليه من مال البصيرة حتى نهاية حياته ، فقد قتل علي وتنازل الحسن وسمح معاوية ، وسوف يهنأ أيضاً الحسن بمال الكوفة حتى حين ، فسوف يتخلص منه معاوية بدس السم له حين يرشح يزيداً لخلافته ، ونعود إلى المنصور ، الذي لم يتحمل محاورة محمد طويلاً ، فقبض على أبيه وعمومته وكثير من أهله وحبسهم معذبين حتى الموت ، وهاجم محمداً بالمدينة وقاتله حتى قتله ، ثم هاجم أخاه إبراهيم في البصرة وقاتله حتى قتله ولم يكن المنصور في ذلك كله مدافعاً إلا عن الملك ، فقد ( ذكر أن المنصور هيئت له عجة من مخ وسكر فاستطابها ، فقال : أراد إبراهيم أن يحرمني هذا وأشباهه ) ( مروج الذهب للمسعودي – ج3 ص309 ) .

والشاهد هنا أن أحد الطرفين كان يدافع عن ( النسب ) ، وأن الطرف الآخر كان يدافع عن ( العجة ) ، وإن المسلمين في الفريقين كانوا يعتقدون أنهم يدافعون عن صحيح الإسلام ، دليلنا على ذلك ما حفلت به خطب الفريقين من آيات وأحاديث ووعد بالجنان ووعيد بسقر ، ولم يكن الأمر عسيراً بالنسبة لمحمد وإبراهيم فآيات الحكم بما أنزل الله موجودة وما أيسر أن ينتقل منها إلى الحديث عن شمائل الرسول ، وفضائل علي ، ولم يكن الأمر عسيراً أيضا على المنصور ، فما أكثر الأحاديث عن شق عصا الطاعة ، ومفارقة الجماعة ، وما أيسر الاستشهاد بآيات الإفساد في الأرض ، فقد روي عن المنصور أنه عندما تسلم كتاب انتصار جيشه على إبراهيم ، تلا هذه الآية :

( والقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فساداً ، والله لا يحب المفسدين ) . ثم صعد إلى المنبر وقال : السعيد من وعظ بغيره ، اللهم لا تكلنا إلى خلقك فنضيع ولا إلى أنفسنا فنعجز، فلا تكلنا إلا إليك .

وهكذا أقنع أفراد جيش المنصور أنفسهم بأن الله نصر الحق بهم ، وسيجزي الله الشاكرين ، وأقنع من تبقوا من جيش محمد وإبراهيم أنفسهم بأنه اختبار من الله ، وبلاء إلى حين ، وسيجزي الله الصابرين ، وانطلق كل فريق قانعاً بما اعتقد أنه جزاؤه من عند الله ، ولم تنقل لنا كتب التاريخ خلال ذلك كله موقفاً مشهوداً لفقيه ، أو دفاعاً طلياً عن الحق من إمام من أئمة المسلمين ، وما أكثرهم في عهد المنصور ، فقد عاصره أبو حنيفة ، ومالك ، والأوزاعي ، وعمرو بن عبيد ، وسفيان الثوري ، وعباد بن كثير ، وجعفر بن محمد الصادق ، وغيرهم ، وما كان تعذيب المنصور لأبي حنيفة وحبسه وجلده ودس السم له في النهاية إلا لرفضه ولاية القضاء ، وما كان جلد المنصور لمالك وهو عاري الجسد غير مستور العورة تشهيراً به إلا لذكره حديثاً عن الرسول لم يعجبه ، وكلا الموقفين لا يصلحان نموذجاً للجهاد ، أو مثالاً على مناوأة الحاكم إن حاد ، أو دليلاً على أن الحق يعرف بالرجال ، وينصر بالرجال ، وينبري للدفاع عنه الرجال ..

ولا بأس أن ننهي حديث المنصور ، بحديث ابن المقفع الذي أرسل للمنصور كتاباً صغير الحجم ، عظيم القيمة أسماه (رسالة الصحابة ) نصح فيه الخليفة بحسن اختيار معاونيه ، وحسن سياسة الرعية ، وكان في نصحه رفيقاً كل الرفق ، رقيقاً غاية الرقة ، ولعله كان ينتظر من المنصور تقديراً أدبياً ومادياً يليق بجهده ، ولعله لم يتصور أن مجرد إسداء النصح للمنصور جريمة ، وأن غاية دور الأديب في رأي المنصور أن يمدح ، ومنتهى دور المفكر أن يؤيد ، وأن عقاب من يتجاوز دوره كما فعل ابن المقفع ، أن يفعل به كما فعل بابن المقفع ، الذي قطعت أطرافه قطعة قطعة ، وشويت على النار أمام عينيه ، وأطعم إياها مجبراً ، قطعة قطعة ، حتى أكرمه الله بالموت في النهاية ولعله تساءل وهو يمضغ جسده بأمر أمير المؤمنين ، أي أمير وأي مؤمنين ، ولعله أدرك ساعتها ما نتمنى أن يدركه من يتنادون بالخلافة ، ويتغنون بالشورى ، ويهاجمون الحكام ( العلمانيين ) ويتصورون في الدولة الدينية ملاذاً ، وفي الحكم باسم الإسلام موئلاً ورحمة ، وفي التطبيق الفوري للشريعة وحدها عدلاً واستقامة ، وفي الديموقراطية جوراً وحكماً بالهوى ، ولعلنا نذكرهم أن المنصور وإن دخل التاريخ من باب الجبروت إلا أنه تركه من باب رجال الدولة العظماء ، وهو إن جار فبفتوى البعض من الفقهاء ، وخوف البعض وصمت البعض الآخر ، وهو إن قسا فبهدف بناء هيبة الدولة ، وأركان الحكم بمقاييس عصره ، وهو إن أسال الدماء أنهاراً ، فقد بنى بغداد والرصافة وحمى ثغور الدولة الإسلامية ، وأعاد التماسك إلى بنيانها ، وكانت حكمته البليغة نصب عينيه :

" إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك ، وإلا فقبلها " .

وقد كان الرجل من القوة بحيث لم يـُقبـِل يد أحد ، وأورث ولده المهدي رعية مطيعة ، وثغوراً منيعة ، وأورثها المهدي إلى ولديه الهادي ثم هارون الرشيد وأورثها هارون الرشيد لأولاده الثلاثة الأمين فالمأمون فالمعتصم وأورثها المعتصم لولده الواثق ، وبحكم الواثق انتهى ما يعرف بالعصر العباسي الأول ، أكثر عصور الدولة الإسلامية نهضة وحضارة ، وإذا توخينا الصدق لزدنا ( وفقها وطهارة ) وإذا أردنا استكمال الصورة لأضفنا وفسقاً ومجوناً ، وليس فيما ذكرناه مبالغة أو سعي وراء سجع الكلمات أو طنطنة الروي ، وإنما هي الحقيقة لا أقل ولا أكثر ، فقد اجتمع كل ذلك معاً ، ففي النهضة والحضارة يزهو عصر المأمون ويتألق فكر المعتزلة ، وتزدهر الترجمات ويكفي أن نذكر في العصر العباسي الأول من أسماء اللغويين : سيبويه والكسائي ومن أسماء الأدباء والمؤرخين والشعراء :

حماد الراوية والخليل بن أحمد ، والعباس بن الاحنف ، وبشار بن برد ، وأبو نواس ، وأبو العتاهية ، وأبو تمام ، والواقدي والأصمعي ، والفراء وغيرهم .

أما في الفقه والطهارة فهناك : أبو حنيفة ومالك ، والشافعي ، وابن حنبل ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري ، وعمرو بن عبيد ، وأبو يوسف ( الحنفي ) وأسد الكوفي ( الحنفي ) ، والزهري ، وإبراهيم بن أدهم الزاهد ، ونافع القارئ ، وورش القارئ ، وأبو معاوية الضرير ، وسفيان بن عيينة ، ومعروف الكرخي الزاهد ، وعلي الرضي بن موسى الكاظم ، وأحمد بن نصر الخزاعي ، وغيرهم ، أما الفسق والمجون فأبوابهما كثيرة ، وفنونهما شتى ، وهناك في البداية ما يمكن أن نسميه بالمناخ العام ، وهو الإطار الذي يسمح بالفسق ، ولا يستنكف المجون أو ما هو أكثر ، فقد أمتلأت عاصمة الخلافة بالحانات ، وانتشر شرب الخمور والغناء في مجالس الرعية ، ووجد الجميع مخرجاً طريفاً لما يفعلون ، فقد اشتهر عن فقهاء الحجاز إباحة الغناء ، واشتهر عن فقهاء العراق من أتباع أبي حنيفة إباحة الشراب ، فجمعوا بين فتوى الفريقين ، ولخصوا مذهبهم في قول الشاعر :

رأيه في السماع رأي حجازي وفي الشراب رأي أهل العراق

أو في قول ابن الرومي :

أباح العراقي النبيذ وشربه وقال حرامان المدامة والسكر

وقال الحجازي: الشرابان واحد فحل لنا من بين قوليهما الخمر

سآخذ من قوليهما طرفيهما وأشربها لا فارق الوازر الوزر

ولعل بعض القراء يندهشون ، وربما يسمعون للمرة الأولى أن أبا حنيفة قد أباح أنواعاً من الخمور ، بل ولعلي أصارحهم بأن فتوى أبي حنيفة قد أجابت على سؤال حائر كان يدور في داخلي وأنا أقرأ عن الشراب والمنادمة في مجالس الخلفاء : هل وصل بهم التحلل من قيود الدين ، والخروج على قواعد الإسلام ، أن يجاهروا بشرب الخمر في مجالسهم ، دون أدنى قدر من الحفاظ على المظاهر أمام الرعية ؟

ولعل فيما عرضه الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام عن خلاف الفقهاء حول الخمر ورأي أبي حنيفة فيها ما يوضح الأمر للقارئ :

( ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى سد الباب بتاتاً ، ففسروا الخمر في الآية السابقة بما يشمل جميع الأنبذة المسكرة من نبيذ التمر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها وقالوا كلها تسمى خمراً وكلها محرمة ، أما الإمام أبو حنيفة ففسر الخمر في الآية بعصير العنب مستنداً إلى المعنى اللغوي لكلمة الخمر وأحاديث أخرى ، وأدى به اجتهاده إلى تحليل بعض أنواع من الأنبذة كنبيذ التمر والزبيب إن طبخ أدنى طبخ وشرب منه قدر لا يسكر ، وكنوع يسمى " الخليطين " وهو أن يأخذ قدراً من تمر ومثله من زبيب فيضعهما في إناء ثم يصب عليهما الماء ويتركهما زمناً ، وكذلك نبيذ العسل والتين ، والبر والعسل . ويظهر الإمام أبا حنيفة في هذا كان يتبع الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ، فقد علمت من قبل أن ابن مسعود كان إمام مدرسة العراق ، وعلمت مقدار الارتباط بين فقه ابي حنيفة وابن مسعود ، ودليلنا على ذلك ما رواه صاحب العقد عن ابن مسعود من أنه : كان يرى حل النبيذ ، حتى كثرت الروايات عنه ، وشهرت وأذيعت واتبعه عامة التابعين من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم، وقال في ذلك شاعرهم :

من ذا يحرم ماء المزن خالطه في جوف خابية ماء العناقيد ؟

إني لأكره تشديد الرواة لنافيه ، ويعجبني قول ابن مسعود )

كان ما سبق هو المناخ العام أو الأرضية الممهدة للغناء والشراب وما يرتبط بينهما من لهو وقيان وغلمان ، أما اللهو فسمة العصر ، وأما القيان ففارسهم المهدي وولده الرشيد ، وأما الغلمان ففتاهم الواثق ، وسوف يأتي حديث كل منهم في موضعه ، غير إنا نتوقف قليلاً أمام فتاوى الخمر السابقة متأملين ، متعجبين من تشدد المعاصرين .

فالبعض منهم يصر على أن عقوبة الخمر أحد الحدود ، وهو في ظني يتجاوز الحقيقة بحسن النية ، والأرجح في تقديرنا أنها عقوبة تعزيرية ، نشترك في هذا مع رأي الشيخ محمود شلتوت وغيره ، ومن الواضح في فتوى أبي حنيفة ، ومذهب ابن مسعود ، أن العقوبة قاصرة على السكر البين ، أما شرب القليل من أكثر أنواع الخمور فلا عقوبة عليه ، وهنا يبدو منطقياً أن تسقط عقوبة البائع والمشتري والناقل والصانع .... إلى غير ذلك مما اجتهد بشأنه المتشددون وساقوا عليه الأدلة والأحاديث ، ولا بأس ما دمنا نتحدث عن المتشددين أن نذكر إصرارهم على الأخذ بالحد الأقصى للعقوبة وهو الجلد ثمانين ، وهم في ذلك يستندون إلى قياس لعلي ابن أبي طالب حين سأله عمر المشورة فقال :

من سكر فقد هذى ، ومن هذى فقد افترى وحده ثمانون ، ومعنى هذا أن علياً افترض أن من يسكر يفقد عقله وأن من يفقد عقله يسهل عليه قذف الآخرين ، ومن هنا يمكن أن يجلد حد القذف أي ثمانين جلدة ، والغريب أننا لم نناقش هذا القياس أو نراجعه ، وشاع التسليم به وكأنه تنزيل من التنزيل ، بينما هو في تقديرنا قياس أقل ما يوصف به أنه غير دقيق ، فما أيسر أن نسوق على منواله أكثر من قياس وأكثر من عقوبة ، دون أن يملك من سلموا بالقياس الأول أن يعترضوا علينا .

فمثلاً نقول : من سكر فقد صوابه ، ومن فقد صوابه زنى ، أو قتل ، أو سرق ، وحده الرجم ، أو القتل ، أو القطع ، بل نستطيع أن نقول : من سكر فقد صوابه ، ومن فقد صوابه فلا عقاب عليه فيما فعل ، ويسقط القياس والاستدلال من أساسه .

ولعل أغرب ما لاحظناه ، على عكس ما كنا نتصور ، أن السابقين كانوا أكثر تسامحاً ، ربما لأن الحياة كانت معطاءة ، وكان اتساع أبواب الاجتهاد أحد عطاياها ، وقد سقنا في الأمور المشتبهات رخصة التنقل بين فقه الحجاز وفقه العراق ، ونسوق أيضاً ما كان منتشراً حتى عهد أجدادنا القريب ، وهو تعدد الزوجات ، الذي لم ييسره الدين فقط ، بل يسرته أيضاً سبل الحياة ، وتوسع البعض فيه مثل الحسن بن علي ، الذي ذكر أنه تزوج سبعين وقيل تسعين ، وأنه كان يتزوج أربعاً ويطلق أربعاً ، والذي خشي الإمام علي من أن يفسد عليه القبائل بطلاق بناتها ، فكان يبادرهم صائحاً : يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فأنه رجل مطلاق ( تاريخ الخلفاء للسيوطي 191) .

ولم يسمع أحد كلامه ، فقد طمع الكل أو تطلع إلى نسل ينتسب للرسول ، وبجانب ذلك كان هناك بابان للتمتع بالحياة ، والحياة في المتع ، باب منهما لم يختلف أحد عليه ، وإن جهله بعض المعاصرين أو صعب عليهم تصوره ، وباب آخر أثار ولا يزال يثير كثيراً من الخلاف .

أما الباب الأول فهو التسري بالجواري ، وهو جانب من جوانب نظام الرقيق ، الذي ظهر الإسلام وهو جزء من إطار الحياة ، فلم ينكره أو يدنه ، وإنما حث على العتق ، وهو باب من أبواب الخير عظيم ، وجانب ذو شأن جليل من جوانب روح الإسلام ، تلك التي نجدها اليوم متناسقة مع عالم المساواة بين الجميع ، ومتناغمة مع إلغاء الرقيق عالمياً ، بينما لو توقفنا عند ظاهر النص لأنكرنا المساواة ، ولاستنكرنا الإلغاء ، ولأننا من أنصار الروح والجوهر ، فإننا نفسر موقف الإسلام من الرق بما نكرره ونعيده دون أن نمل ، وهو أن الدين لم ينزل من أجل عصر واحد ، وأن القرآن لم يتنزل لكي يناسب زمناً معيناً، وإنما نزل الدين وتنزل القرآن لكل عصر ولكل زمان ، وهو وإن سمح بالرق فقد تسامح مشجعاً العتق ، ومال إلى الحرية ، ولم يكن له أن يضيق بعصر أو يتوقف عند زمن ، وهو في سماحه بالرق أباح للمالك أن يتمتع بالجارية الأنثى ، وأن يتسرى بها ( أي يعاشرها ) وراعى أن ينسب الأبناء لآبائهم في الفراش .

وكان للجواري مصدران ، أولهما الشراء ، وثانيهما غنائم الفتح ، وقد اتسع المصدر الثاني في صدر الدولة الإسلامية ، وتعددت موارده ، فظهرت الجواري المولدات ، الحور ، الروميات والفارسيات والحبشيات ، وكثر ( العرض ) بلغة حياتنا المعاصرة ، وتجاوز ( الطلب ) كثيراً ، حتى أصبح معتاداً في كتب التاريخ الإسلامي أن نقرأ أن فلاناً أهدى لغلامه جارية أو جاريتين ، وحتى ذكر المؤرخون أن الإمام ( علي ) وهو أحد أكثر الخلفاء زهداً قد ( مات عن أربع نسوة وتسع عشرة سرية رضي الله عنه ) ( البداية والنهاية لابن كثير م4 ج7ص244 . تاريخ الخلفاء للسيوطي ص176 ) .

وقد زاد هذا الرقم حتى أصبح بالعشرات في عهد أوائل خلفاء بني أمية ، ثم بالمئات في عهد يزيج بن عبد الملك ، ثم بالآلاف في عهد الخلفاء العباسيين ، حتى وصل الرقم إلى أربعة آلاف سرية كما ذكرنا في حديث المتوكل ، الذي ( وطئ الجميع ) خلال خلافته التي دامت نحو ربع قرن ، وهو رقم قياسي فيما نعتقد ، ويستطيع القارئ أن يجد مزيداً من الحديث عن هذا الباب في ( الأغاني ) للأصفهاني وفي ( أخبار النساء ) لابن قيم الجوزية ، و ( طوق الحمامة ) لابن حزم و ( الإمتاع والمؤانسة ) لأبي حيان التوحيدي ، وفي أقوال كثير من الخلفاء التي نذكر منها قول عبد الملك بن مروان ( من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ، ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذه رومية ) ( تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 221 )

ولعل هذا القول كاف لإفحام من يتصورون أن منهج ( التخصص ) منهج غربي معاصر، ولعلنا به أيضاً ننهي حديث الباب الأول من البابين اللذين أشرنا إليهما ، وهو الباب الذي وصفناه بأنه متفق عليه بلا خوف ، ومباح بلا شبهة ، وإن كنا نلمح ظاهرة إيجابية تتمثل في عتق الخلفاء لأمهات الأولاد ، وهي خطوة في طريق طويل انتهى بإنهاء الرق واستنكاره دون حرج ديني ودون خروج على روح الدين وجوهره كما ذكرنا .

أما الباب الثاني المختلف عليه ، فهو ما عرف بزواج المتعة ، ذلك الذي أباحه الرسول في غزوتين ، ثم حرمه في حجة الوداع ، وكانت إباحته لما يمكن أن يطلق عليه اسم ( الضرورة القصوى ) في ظروف الغزو ، وكان تحريمه لكونه إذا أبيح بإطلاق كان أقرب للزنا منه للزواج .

وهنا نتوقف قليلاً حتى لا يحدث للقارئ لبس ، فإباحته للضرورة في واقعتين ( في زمن خيبر وفي عام الفتح ) أمر لم يختلف عليه أحد ، وتحريمه في حجة الوداع أيضاً لا خلاف عليه ، ووصفه باقترابه من الزنا أكثر من كونه زواجاً رأي ابن عمر حين ( قال ـ فيما أخرجه عنه ابن ماجة بإسناد صحيح - : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها ، والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة " ( فقه السنة – الشيخ سيد سابق ) .

وفي قول علي : لولا تحريم المتعة ما زنى إلا شقي ، وفيما نقله البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال : هي الزنا بعينه ( فقه السنة – ص43 ) .

أما الحل للضرورة فهو منهج شرعي مقبول شريطة أن يكون تقدير الضرورة صحيحاً ، وليس أكثر من الرسول قدرة على التقدير أو صواباً في الحكم فهو الذي لا ينطق عن الهوى .

وزواج المتعة باختصار شديد هو أن يعقد الرجل على المرأة لزمن محدد يتمتع فيه بها ( يوماً أو أسبوعاً أو شهراً .. ) وذاك لقاء مبلغ معين من المال ، وبمجرد انتهاء الأجل ينتهي العقد تلقائياً ، وفقهاء السنة جميعاً يجمعون على تحريمه تحريماً قاطعاً مستندين إلى حديث الرسول في حجة الوداع :

( يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع ، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة ) ( فقه السنة – ص42 ) .

ويجمع أغلب فقهاء السنة ( رغم وصفهم لهذا الزواج بالزنا ) على استبعاد عقوبة الرجم لوجود شبهة ناتجة ـ ( عما روي عن بعض الصحابة وبعض التابعين أن زواج المتعة حلال ، واشتهر ذلك من ابن عباس رضي الله عنه ) غير أن الأمر قد اختلف بالنسبة لأغلب فقهاء الشيعة حين أباحوه ، وفسروا نصاً قرآنياً بما يفيد الإباحة ، ونفوا أن تكون السنة ناسخة للقرآن ، ورد عليهم فقهاء السنة برأي آخر في تفسير النص ، وبمناقشات مستفيضة عن جواز نسخ السنة لأحكام القرآن مستدلين بحكم الرسول بالرجم في الزنا بينما النص القرآني لا يتجاوز الجلد ولم يرد حكم الرجم في القرآن على الإطلاق ، وهي قضية خلافية أخرى لا نريد أن نشغل القارئ بها ، وإن كنا نناشده أن يحلق معنا في سماء التخيل لهذا المجتمع ، ونقصد به المجتمع الإسلامي في صدر الدعوة ولعدة مئات تالية من السنوات ، حيث تعدد الزوجات هو القاعدة ، والطلاق يسير والزواج الجديد أيسر ، والبعض يقنع بالزوجات الأربع ولا يطلق منهن إلا نادراً وللضرورة ، والبعض الآخر يطلق أربعاً ليتزوج أربعاً دون أن يكون ذلك مدعاة لنقد ، أو سبباً لانتقاد ، والجميع يتسرى ومنهم الزاهد القانع بتسعة عشر ، وزهد( علي ) وورعه ونزوعه عن الدنيا واستعلاؤه عن مغرياتها لا يحتاج إلى سند ولا يعوزه دليل .

ومنهم من يصل بالرقم إلى خانات العشرات والمئات والآلاف ، وقطاع كبير من المسلمين هم الشيعة يضيفون إلى ذلك حل زواج المتعة ذلك الذي يبيح للمسلم إن أعجبته امرأة أن يتزوجها يوماً أو شهراً أو بعض شهر ، وينفحها مقابل ذلك مبلغاً من المال ثم يفارقها دون إحساس بذنب أو تأنيب لضمير، هذا كله في إطار الحلال إن جاوزنا زواج المتعة لدى السنة ، أو أوردناه لدى الشيعة .

بينما تمتلئ كتب التاريخ عن أواخر العصر الأموي وأغلب العصر العباسي بأحاديث المغنيات والقيان والغلمان ، وهو ما نطرحه جانباً مقتصرين على الحلال ، متسائلين في هدوء هل هناك ضرورة للزنا في مثل هذا المجتمع ؟ ، وهل يعقل أن يدعي أحد في مثل هذا المناخ أن العقاب بالرجم فيه قسوة ؟

لا شك أن القارئ سوف يتفق معي ، وسوف يؤيدني في أن من يأتي الزنا بعد هذا كله ، ورغم هذا كله وفي ظل هذا كله ، مختل العقل بلا شك ، شاذ الطبيعة بلا مراء ، وربما أنصفناه فتصورناه ساعياً للانتحار، غير أن اختلاله أو شذوذه أو انتحاره لن يصل به إلى حتفه بسهولة أو في يسر ، فدون ذلك من الشروط ما يكاد يصل بعقوبة الزنا إلى الوصف بالاستحالة ، فلابد من توافر أربعة شهود عدول من الرجال ( ولا تقبل شهادة النساء ولا شهادة الفسقة ) ، وأن يشاهد هؤلاء فعل الزنا بما لا يتيسر إلا لمشارك للزناة في الفراش ، بل إن شئت الدقة في الغطاء ، مع تحرز آخر بأن يكون( قصير النظر ) حتى يشاهد عملية الزنا نفسها ( كالميل في المكحلة والرشاء " الحبل " في البئر ) .

ولو شهد ثلاثة منهم وشهد الرابع بخلاف شهادتهم أو رجع أحدهم عن شهادته أقيم على الشهود حد القذف وهو الجلد ، ولعل هذا هو السبب في أننا نعثر في قراءتنا لكتب التاريخ على إشارة ولو من بعيد إلى تطبيق لحد الرجم ، بل إن المرة الوحيدة التي كاد يطبق فيها الحد في عهد عمر ، انتهت ، بجلد الشهود ، على الرغم من تيقن القارئ ، بل وربما تيقن عمر نفسه من الفعل ، بدليل عقاب الفاعل بنزعه عن الولاية ، والقصة تستحق أن تروى ، لطرافة أحداثها ، ولكونها في ذات الوقت نموذجاً يثبت أن البشر هم البشر في كل عصر ، وأن عهد عمر نفسه لم يخل مما لو حدث اليوم لوصفناه بالكارثة ، ولارتفعت الأصوات في كل واد باستنكاره ، لأن الواقعة مست أحد ولاة الأمصار ، وهو ما يمكن أن يقاس عليه في عالم اليوم أحد الوزراء أو على وجه الدقة أحد نواب رئيس الوزراء .

فقد كان ( المغيرة بن شعبة ) والياً على البصرة في عهد عمر ( سنة 17 هجرية ) وحدث منه أو قيل عنه ما يروي الطبري في تاريخه على النحو التالي ( تاريخ الطبري – ج3ص168 – 170 ) :

( عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو بإسنادهم قالوا كان الذي حدث بين أبي بكرة والمغيرة ابن شعبة أن المغيرة كان يناغيه وكان أبي بكرة ينافره عند كل ما يكون منه وكانا بالبصرة وكانا متجاورين بينهما طريق وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما ، في كل واحدة منهم كوة مقابلة الأخرى ، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت ريح ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليصفقه ، فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي امرأة ، فقال للنفر قوموا فانظروا ، فقاموا فنظروا ثم قال اشهدوا قالوا ومن هذه ، قال أم جميل ابنة الأفقم ، وكانت أم جميل إحدى بني عامر بن صعصعة ( كذا في الأصل والمقصود إحدى نساء بني عامر ) ، وكانت غاشية للمغيرة وتغشى الأمراء والأشراف ، وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها ، فقالوا إنما رأينا أعجازاً ولا ندري ما الوجه ، ثم أنهم صمموا حين قامت ، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة ، وقال لا تـُصل بنا ، فكتبوا إلى عمر بذلك ، وتكاتبوا فبعث عمر إلى أبي موسى فقال يا أبا موسى إني مستعملك ، إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ ، فالزم ما تعرف ، ولا تستبدل فيستبدل الله بك ، … ، ثم خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمربد ، وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال والله ما جاء أبو موسى زائراً ولا تاجراً ولكنه جاء أميراً ، فإنهم لفي ذلك إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم فدفع إليه أبو موسى كتاباً من عمر ، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس ، أربع كلم عزل فيها وعاتب واستحث وأمر،

" أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميراً ، فسلم ما في يدك ، والعجل " .

وكتب إلى أهل البصرة : " أما بعد فإني قد بعثت أبا موسى أميراً عليكم ، ليأخذ لضعيفكم من قويكم ، وليقاتل بكم عدوك ، وليدفع عن ذمتكم ، وليحصي لكم فيأكم ثم ليقسمه بينكم ، ولينقي لكم طرقكم " .

وأهدي له المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعي عقيلة وقال إني قد رضيتها لك وكانت فارهة ، وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر ، فجمع بينهم وبين المغيرة ، فقال المغيرة " سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني ، مستقبلهم أو مستدبرهم ، وكيف رأوا المرأة أو عرفوها ، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر ، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلى في منزلي ، على امرأتي ، والله ما أتيت إلا امرأتي ، وكانت شبهها .

" فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحله ، قال كيف رأيتهما ، قال مستدبرهما ، قال فكيف استثبت رأسها ، قال تحاملت .

ثم دعا بشبل بن معبد فشهد بمثل ذلك ، فقال استدبرهما أو استقبلتهما ( ينفرد الطبري بذكر هذا الاختلاف ) ، وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم ، قال رأيته جالساً بين رجلي امرأة ، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان ، وإستين مكشوفتين ، وسمعت حفزاناً شديداً ، قال هل رأيت كالميل في المكحله قال لا ، قال فهل تعرف المرأة قال لا ، ولكن أشبهها ، قال فتـَنـَح .

وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد ، فقال المغيرة اشفني من الأعبد ، فقال : اسكت ، اسكت الله نأمتك ، أما والله تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك ) ( في رواية أخرى بأحجار أحد ) .

والرواية السابقة تقدم نموذجاً رائعاً ودقيقاً لمذكرة اتهام تفصيلية ، يبدو فيها سبب توافر الشهود مقنعاً ، وهو سبب فرضته ظروف البناء في عصر عمر، ويبدو فيه موقف المغيرة ضعيفاً ، ويبدو فيه وصف واقعة الزنا مثيراً ، ويبدو فيه أيضاً أن ظاهرة ( أم جميل ) كانت شائعة لدى علية القوم ، ويبدو فيه أيضاً أن الحد كان على وشك أن يقام لولا أن زياداً في اللحظة الأخيرة تلجلج في جزئية أو رثت شبهة حين قال أنه لم يتحقق من وجهها وإن كانت تشبهها .

ولنا أن نذكر للقارئ هنا معلومة طريفة وهي أن المغيرة بعد ذلك كان أحد قادة معاوية ، وأن زياداً بعد ذلك كان أحد قادة علي ، وأنه لما توطد الأمر لمعاوية ، تذكر المغيرة فضل زياد عليه حين تلجلج في الشهادة ، فتوسط له لدى معاوية ، الذي قبل الوساطة فنسبه إلى أبي سفيان وولاه البصرة ، ثم أضاف إليه الكوفة ، وذكر عنه التاريخ بعد ذلك ما ذكر ، من قسوة وبطش وإرهاب ، ونعود إلى حديث المغيرة أو حادثته ، ونتساءل ، ماذا يقول المتطرفون لو حدث من أحد نواب رئيس الوزراء أو الوزراء أو المحافظين ما حدث من المغيرة ، ألم يملأوا الأرجاء صراخاً عندما انتحرت إحدى الفتيات في منزل ملحن مشهور وتنادوا بأن مصر كلها قد تحولت إلى ماخور ، وأن العلاج كامن في تطبيق حد الزنا ، حتى تعود ( مصر الحانة ) إلى ( مصر الإسلام ) .

وإذا كان أسلوب بناء المساكن في عهد عمر هو السبب في فضيحة المغيرة ، فماذا يكون الحال بالنسبة لمبانينا الحديثة ، التي لا يستطيع فيها الهواء أن يرفع شيش النافذة أو زجاجها ، ناهيك عن أبوابها ومغاليقها وأقفالها ؟

وإذا كان تلجلج أحد الشهود هو مبرر نجاة المغيرة ، فماذا يكون الحال في مواجهة شهود مهنتهم الشهادة ، ولو زادهم المغيرة خمساً لأقسموا أنه كان مستقبلهم وأنها كانت زوجته ، ولو أنقصهم خمساً لأقسموا أنه كان مستدبرهم وأنها كانت أم جميل .

ونعود إلى تساؤلاتنا قبل أن يفاجئنا – أو يمتعنا – المغيرة بقصته ، ونضيف إليها جديداً ، راجين من القارئ أن يكون منصفاً في إجابته : هل بوسعنا أن نساوي في العقوبة بين من أتاحت له ظروف الحياة تعدد الزوجات وأتاحت له ظروف الفتح وانتشار الرق تعدد الجواري المستمتع بهن حتى بلغت العشرات ، وأتاح له اجتهاد ابن عباس أو مذهب التشيع زواج المتعة ، وبين شبابنا المعاصر الذي لا يستطيع أن يتزوج بواحدة لعجز ذات اليد عن دفع المهر ، وعجز إمكانيات المجتمع عن توفير مسكن الزوجية ؟

هل يعامل هذا على قدم المساواة مع ذاك ؟ ، ألا تشفع ظروف الحياة المعاصرة وقد ذكرنا طرفاً منها لشبابنا المعاصر ، كما شفعت ظروف المجاعة للسارقين في عهد عمر ؟

نحن هنا لا تدعو للزنا أو نبرر إباحته كما يحلو للبعض ممن لا يرى الحياة إلا من خلال رجل وامرأة والشيطان ثالثهما أن يتقول وأن يغمز عن جهل أو يلمز عن شبق ، ولا نفعل ما يفعله البعض ممن يؤثرون السلامة فيطالبون بإقامة حد الزنا وأن يكون الرجم للمحصن أو المحصنة عن ثقة كاملة منهم أنه حد مستحيل التطبيق ، ولأن الجريمة التي تعاقب عليها الشريعة أقرب إلى إتيان الفعل العلني الفاضح في الطريق ، بدأنا نواجه الأمر بالمنطق والعقل ، تماماً كما واجهه عمر في حد السرقة حين تجاوز ظاهر النص والعقوبة إلى العلاقة بين الأسباب والنتائج ، بل وأكثر من ذلك نفتح ملف حادثة مازالت ملء السمع والبصر ، وهي حادثة اغتصاب ستة من الشبان لفتاة كانت تجلس مع خطيبها في إحدى السيارات في منطقة نائية في ضاحية المعادي ، وقد أثبت تقرير الطبيب الشرعي أنها عذراء ، وقد قامت الدنيا ولم تقعد بسبب هذه الحادثة ، وانطلقت الأصوات مطالبة بتطبيق الشريعة وكأنها الحل ، وظلت الصفحات الدينية تردد على مسامعنا وأمام أبصارنا دون ملل أو كلالة مقولة واحدة متكررة : " طبقوا حد الزنا " ، " طبقوا حد الزنا " ، بينما تقرير الطبيب الشرعي ينفي واقعة الزنا من أساسها لأن البكارة شبهة تنفي تطبيق الحد بإجماع الفقهاء ، وقد حكم القضاة بإعدام خمسة من الشبان ، وعدل الحكم في الاستئناف إلى إعدام اثنين ، وأدلى المفتي السابق بحديث عن أن الحكم مطابق للشريعة واصفاً التهمة بأنها إفساد في الأرض ، ويعلم الله أنها ليست كذلك .

فعقوبة الإفساد في الأرض تختص بالأموال وليس الفروج ، وهي عقوبة محددة في كل جزئية فيها ولها من الشروط ما لا ينطبق على هذه القضية بحال ، والنتيجة ببساطة أن القانون الحالي يعاقب على جرائم يعسر على الشريعة أن تعاقب عليها ، وبعكس احتياج المجتمع المعاصر بأقدر مما تفعل الشريعة ، ليس لعجز فيها ، معاذ الله ، بل لقصور من يتناولنها من هواة وصف القوانين الوضعية بالمخالفة لروح الإسلام ، والإصرار على التوقف أمام ظاهر النص لا جوهره ، هؤلاء الذين ترتعد فرائصهم حين نطالبهم بالتأسي بعمر ، وبالاجتهاد كما اجتهد ، وبتعطيل ظاهر النص إن كان تطبيقه مستحيلاً أو كان من الممكن بالقوانين السائدة مواجهة الجريمة والعقاب عليها واستئصالها إن أمكن ، وهو الهدف النهائي للإسلام ، والجوهر الحقيقي لروحه بل إني أتحداهم في هدوء ، وأعلن لهم أنني لن أكتب حرفاً بعد ذلك إن خسرت التحدي ، والحكم بيني وبينهم للقراء .

أقول لهم : أمامكم في سجلات القضاء قضايا للزنا وملفات للآداب تعود إلى نصف قرن ، ادرسوها جميعاً وابحثوها جميعاً ، واعطوني مثالاً واحد لقضية واحدة يمكن أن يطبق فيها حد الزنا ، وبالطبع فلا عبرة هنا بالاعتراف ، لأن الاعتراف مقترن بالعقوبة المحدودة في القوانين السارية ، ولو تقررت عقوبة الرجم لما اعترف رجل أو امرأة بالزنا وهذه بديهية لا يختلف حولها أحد ، والعبرة كل العبرة ، بتوافر الشروط والحد ...

أعطوني قضية واحدة شهد فيها أربعة ..

ورأى فيها الأربعة الميل في المكحلة ، أو الرشاء في البئر... ولا ضير في مزيد من التحدي الهادئ ...

أجيبوني بعد الدرس والمراجعة والبحث عن سؤال أكثر بساطة وهو : ألا تعاقب القوانين الوضيعة على ما لا تطوله الشريعة في هذا المجال في ظل شروطها القاسية بل والمستحيلة ؟.

أجيبوني من أين أتيتم بمقولة أن المجتمع يبيح الزنا ويدعو إليه ويحث عليه ويعفو عنه ؟ بينما المجتمع يطول بقوانينه المتجددة ما لا يطوله اجتهادهم القاصر ، إن كان ثمة اجتهاداً أصلاً ، ويحفظ للمجتمع حقوقه وهو عين ما يسعى الإسلام إليه ، ويصل بعقوبة هتك العرض ، وهي ليست الزنا بالضرورة ، إلى الحكم بالإعدام ؟ .

وماذا يضيركم إذا أثبت المشرع واقعة الزنا في القوانين الحالية( بالمكاتيب ) أو ( بوجود غريب في المكان المخصص لنوم الحريم في البيوت المسلمة ) ، أليس هذا أقرب إلى إمكانية إثبات الواقعة من شهود الميل ( المرود ) والرشاء ( الحبل ( بفتح الحاء وسكون الباء ) ؟

وماذا يفزعكم في إعطاء القوانين الحالية للزوج حق إقامة الدعوى أو عدم إقامتها ، أليس في هذا حفظ لسمعة البيوت وأسرار الأسر وستر للعورات ، ودرء للحدود بالستر ؟ ، وهب أن زوجاً علم ثم عفا ، قبولاً منه لنوبة الزوجة ، أو حفاظاً منه على سمعة أولاده وبناته في مدارسهم أو مجتمعاتهم ، أليس هذا أقرب إلى روح الإسلام من فضح الزوجة وتدمير سمعة الأولاد وإنهاء مستقبل البنات وسمعتهن إلى الأبد ؟

أم أن الإسلام لا يكون إسلاماً في عرفكم إلا إذا جلد وفضح ورجم ودمر ، وتنكرونه إذا عفا وتسامح وستر ، ثم لماذا لا تتفقون على كلمة سواء كان قبل أن تواجهونا بالعموميات ، والشعارات ، الاتهامات ، فالأسئلة عديدة وليس هذا مجالها ، لأننا لسنا بصدد بحث فقهي ، ومثالها التساؤل حول علاقة السنة بالقرآن ، وإمكانية نسخ السنة لنص قرآني ثابت في أحد الحدود ، وهذا كله يفتح باباً واسعاً للاجتهاد ، وللنقاش ، وهو على كل الأحوال لا يفتح نافذة واحدة للتشكيك في الإيمان أو الحكم بالكفر أو الاتهام في العقيدة ، وما كان أغناني عن هذا الحديث .

لولا أنني مؤمن بأن الإسلام على مفترق طرق ، وأنه لابد سائر إلى حيث يريد الله الرحمة لعباده ، والانتصار لإسلامه والاستمرار لعقيدته ، وأن الإسلام لن يضار بالمتعصبين إلا إلى حين ، ولن يختلف بالجامدين إلا إلى حين ، ولن يشارك في الحياة أبداً بالمرتعدين عن قصور في الفهم أو عجز في الاجتهاد أو جمود في التفكير، وأننا في حاجة إلى أن نقبل على الحياة بالإسلام ، لا أن نهوى عليها بالإسلام ، وأننا في حاجة إلى أن نحافظ على الإسلام العقيدة ، لا أن نكتفي بحفظ الإسلام النصوص ، وأننا في حاجة إلى أن نخترق الحياة بالإسلام ، لا أن نخترق الحياة بالإسلام ، والإسلام بحمد الله أقرب إلى الحياة من يبتعدون عنها بالقول ، وينهلون منها بالفعل ، ويحلمون بها طوع بنانهم بالحكم ، ويفزعونها ويفزعون إليها بخلط أوراق الدين بالسياسة ، والسياسة بالدين ، والعنف بالموعظة ، والموعظة بالطمع ، والطمع بالمزايدة ، والمزايدة بشراء الذمم ، وأبواب شراء الذمم في حياتنا شتى ، فقد عرفنا في السنوات الأخيرة مناصب المستشارين للبنوك ( الإسلامية ) ، والشركات ( الإسلامية ) ، ورحلات الشتاء والصيف للدول ( الإسلامية ) ، للتعرف على مسار التجربة ( الإسلامية ) ، وللحصول على بعض الأموال الزكاة لتوزيعها على ( المسلمين ) في مصر ، أو إنفاقها على أمور الدعوة ( الإسلامية ) .

ونحن في هذا لا نتحدث من فراغ ، أو عن هين من المال أو يسير، ودليلنا نأخذه من ألسنتهم ، فقد صرح حافظ سلامة للصحف بأنه جمع لبناء مسجد النور مليون ونصف مليون جنيه من تبرعات ( المسلمين ) في الخليج في رحلة له إلى هناك لمدة أسبوع ، واستنكر أحد كبار رجال الدعوة ما نشره الأهرام الاقتصادي عن أنه حصل على عشرين ألف دولار سنوياً كمكافأة استشارية وطالب بتصحيح ما نشر لأن المبلغ ثلاثون ، وإذا أمطرت سماء ( الدعوة ) ألوفاً بالعشرات في الداخل ، وبالمئات في الخارج ، فلا جناح عليهم إن هاجمونا ، ولا تـثريب عليهم إن كفرونا ، ولا بأس عليهم إن قاتلونا ، ولا غرابة إن خرج علينا بعض الساسة بالنقد تملقاً ومزايدة ، ولو شئنا الاستطراد في هذا الباب لأفضنا ، لكنا نشعر أننا أرهقنا القارئ وربما أصبناه بالملالة ، فقد أطلنا في قراءتنا الجديدة للأوراق القديمة ، ووجدنا أنها وثيقة الصلة بما نراه في أيامنا المعاصرة .

ولعلنا نمسك عن الاستطراد على وعد بكتابات قادمة ، نتحدث فيها عن الرشيد وما أدراك ما الرشيد ، وعن المأمون وما أدراك ما المأمون ، وعن المعتصم وما أدراك ما المعتصم ، أما الواثق ، وهو آخر خلفاء العصر العباسي الأول ، فلا أحسب أنني أستطيع مع سيرته صبراً ، ولا أحسب أن القارئ سوف ينسى بسهولة ما سأذكره عنه ، فقد فتح باباً جديداً من أبواب الخلافة ( الإسلامية ) ، وسلك مسلكاً فريداً من مسالك الخلفاء أو أمراء المؤمنين ، وخلد سيرته نثراً وشعراً ، وحكم قرابة الست سنوات منتقلاً من غلام إلى غلام ، ونعيدها حتى لا يشك القارئ في صحة ما ذكرناه أو يتصوره خطأ مطبعياً نقول :

من غلام إلى غلام ، فقد كان عاشقاً صباً للغلمان ، ملكوا وجدانه ، وأذابوا مشاعره تولهاً وصبابة ، وكان منهم غلام ( مصري للأسف ) ، اسمه ( مُـهَج ) ، لعب بعواطف الواثق كما شاء ، وتملك مشاعره وتلاعب بوجدانه كما يريد ، إن رضى عنه استقامت أحوال الدولة واستقر شأن الحكم ، وإن تدلل عليه أو صده فالويل كل الويل للمسلمين ، والثبور وعظائم الأمور لمن يشاء حظه العاثر أن يلقي الواثق أو يقف أمامه أو يحتكم إليه .

ولعل من يرددون دون وعي أو ملل، أن حضارة الغرب قد أباحت الشذوذ الجنسي ، يتيهون الآن بأن دورنا لم يقتصر أبداً على النقل من الغرب ، لأنه لو صح ما يدعون ، وهو غير صحيح ، لانعقدت لنا الريادة ، وكان لنا قصب السبق دون شك ، وهل لدى الغرب حاكم مثل الواثق ، وهل في تاريخهم كله خادم مثل مهج ، يخلب لب الخليفة ، فيصرفه عن شئون الدنيا ، ناهيك عن شئون الدين ، فينصرف إليه ، وتجود قريحته بالشعر عليه ، فيردد على إيقاع أيدينا وهي تضرب كفاً بكف :

مهج يملك المهج بسجي اللحظ والدعج

حسن القد مخطف ذو دلال وذو غنج

ليس للعين إن بدا عنه بالحظ منعرج

( تاريخ الخلفاء للسيوطي. ص342 )

ويعرف مهج قدر نفسه عند الخليفة الواثق ، فيبتدره يوماً في الصباح ، وهو جالس بين حاشيته ، ويمضي إليه متـثـنياً ، منكسر النظرة ، مترنح الخطوة ، مترجرج الأعطاف ، ويناوله ورداً ونرجساً ، وتصور أنت أيها القارئ حال الواثق أمام كل هذا الهول ، واعذره إن استخف به الطرب فنسى الحاشية والمجلس ، وأنشد وعيناه ترنوان إلى مهج :

حياك بالنرجس والورد معتدل القامة والقد

فألهبت عيناه نار الهوى وزاد في اللوعة والوجد

أملت بالملك له قربه فصار ملكي سبب البعد

ورنحته سكرات الهوى فمال بالوصل إلى الصد

إن سئل البذل ثنى عطفه وأسبل الدمع على الخد

غر بما تجنيه ألحاظه لا يعرف الإنجاز للوعد

مولى تشكي الظلم من عبده فأنصفوا المولى من العبد

ويا سبحان الله ؛ ما أشعر الواثق وما أرق ألفاظه وما أدق وصفه للحظة العشق العظيم ، حين يسيل دمع مهج علي خده ، فلا يدري الواثق أهو دمع الهوى أم دمع الصد ، وماله لا يفعل ذلك ، وهو صاحب القد المعتدل ، المترنح في خطوة بسكرات الهوى ، ذلك الذي يعرف وصله من صده ، الظالم لعبده ( خليفة المسلمين ) ذلك الذي يستنجد بالرعية أن تنصفه من مولاه ( مهج ) ، المغرور بسهام ألحاظه ، المنكر للوعد دائماً ، أما الوعد فيسير إدراكه على خيال القارئ ، وعسير إدراكه على الأتقياء المصدقين للمتنادين بعودة الخلافة ، الخالطين بين حلم رائع في خيالهم ، بثـته عقيدة عظيمة ، وبين حقيقة مفزعة تكشفها لهم صفحات التاريخ ، وألحاظ مهج ، وخلاعة الواثق ، وفقه معاصريه من الجبناء وجبن معاصريه من الفقهاء .

هذا عن مهج حين يرضى ، فماذا عنه إن غضب .. يا ألطاف الله ، حدث ذلك يوماً ، حين فقد الواثق عقله فأغضب مهج ، وفي اليوم التالي طار لب الواثق ، وتعطلت مصالح الدولة ، وخشي كبار الدولة أن يدخلوا على الواثق في حالته تلك ، ولم يكن لأحد أن يتوقع خيراً إن لاقاه أو حاكاه ، وأدرك الجميع أن السر لدى مهج ، فدسوا عليه بعض الخدم ليسألوه فأجابهم ( والله إنه – يقصد الواثق – ليروم أن أكلمه من أمس ، فما أفعل ) .

يا للكارثة ، ويا لصعوبة ما أعانيه بحثاً عن ألفاظ تليق بجلال الموقف ورهبته ، وعذاب الواثق وغضبته ، وقد نقل إليه حديث مهج فأنشد من جديد قائلاً :

يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا

لولا الهوى لتجارينا على قدر وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى

ولحسن حظ مهج ، وسوء حظ الطالبين بعودة الخلافة لم يفق الواثق أبداً ، بيد أن البعض قد يتصور أن عمر خلافة الواثق قد ضاع على مهج وأمثاله ، لكن ذلك لم يكن صحيحاً ، فقد كان للواثق وجه آخر ، يحلو له أن يخرج به على الرعية ، ويبدو فيه حامياً لذمار العقيدة ، ومناضلاً من أجل صحيح الدين ، فقد انتصر للمعتزلة كما فعل والده المعتصم ، الذي عذب ابن حنبل لقوله بأن القرآن ليس بمخلوق ، ويروي عن الواثق أنه أحضر أحمد بن نصر الخزاعي أحد كبار رجال الحديث في التاريخ الإسلامي ، من بغداد إلى سامرا ، مقيداً في الأغلال ، وسأله عن القرآن فقال : ليس بمخلوق ، وعن الرؤية في القيامة فقال : كذا جاءت الرواية ( فثار الواثق ودعا بالسيف ، وقال : إذا قمت فلا يقومن أحد معي ، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده ، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها ، ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد ، فمشى إليه ، فضرب عنقه ، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد ، فصلب بها وصلبت جثته في ( سر من رأى ) ، واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل ، فأنزله ودفنه ولما صلب كتبت ورقة علقت في أذنه ، فيها : هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك ، دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه ، فأبى إلا المعاندة ، فعجله الله إلى ناره ) .

وتأملوا معي التناقض بين حديث مهج وحديث الخزاعي ، وفاضلوا بين مصير مهج ومصير الخزاعي ، وقارنوا بين الواثق وبين كثيرين ممن نعرفهم ونسمع منهم ، ونرى لهم كما رأينا للواثق وجهين لا صلة بينهما ولا رابطة ، فهم يقضون ليلهم بين الكأس والندماء ، وما أن يسفر الصبح حتى ينطلقوا إلى صفحات الصحف ومنتديات السياسة ، ينادون بالتطبيق الفوري للشريعة ، فإذا سألتهم ابتسموا ، وأنكروا عليك جهلك بالسياسة وفعال الساسة ، وكتموا في أنفسهم رأيهم فيك ، وهو أنك غر حديث التجربة ، لن تتعلم بعد كيف تتعامل مع الشارع المصري ، فتقول شيئاً وتعني شيئاً ثانياً وتفعل شيئاً ثالثاً ..

وإذا كان الواثق قد تألق في صولاته بين الغلمان ، وإذا كان يستحق بجدارة أن يوصف في جولاته بأنه فارس الميدان ، فإنه – إنصافاً له لم يكن فارس الميدان الوحيد ، فقد ذكرنا طرفاً عن التلوط في عهد الوليد بن يزيد ، ولم نذكر شيئاً عن عهد الأمين( ابن الرشيد ) الذي ( ابتاع الخصيان وغالى بهم وصيرهم لخلوته ورفض النساء والجواري ) ( تاريخ الخلفاء للسيوطي – ص301 ) ، وكما تعلق قلب الواثق بمهج تعلق قلب الأمين بكوثر ، وقال بعض الشعراء عن عصره :

أضاع الخلافة غش الوزير وفسق الأمير وجهل المشير

لواط الخليفة أعجوبة وأعجب منه خلاق الوزير

فهذا يدوس وهذا يداس كذاك لعمري خلاف الأمور

ولما هاجم المأمون الأمين ، ( خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب ، فأصابته رجمة في وجهه ، فجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال :

ضربوا قرة عيني ومن أجلي ضربوه

أخذ الله لقلبي من إناس حرقوه

ولم يقدر على زيادة فأحضر عبد الله التيمي الشاعر فقال له : قل عليهما ، فقال :

ما لمن أهوى شبيه فبه الدنيا تتيه

وصله حلو ، ولكن هجره مر كريه

من رأى الناس له الفضل عليهم حسدوه

مثل ما قد حسد القائم بالملك أخوه

فأوقر له ثلاثة بغال دراهم . وهكذا انشغل الأمين عن الحرب ، وعن سقوط حكمه ، بجرح حبيبه وخليله كوثر ، ذي الوصل الحلو ، والصد المر ، والهجر الكريه ، وماله لا يفعل ذلك وهو قائل في وصف كوثر :

ما يريد الناس من صب بما يهوى كثيب

كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي

أعجز الناس الذي يلحي محبا في حبيب



يا حبيبي !! يا أمير المؤمنين ، ما أرقك وما أطيب وصلك ، لولا أنها خلة تشين في أي عرف ، ناهيك عن أي دين ، ولولا أن عشق الغلمان ، يقود إلى بنت الحان ، وإلى الطرب بالألحان ، وإلى القول بما نمسك عنه ، ونفزع منه ، غير أن رحمة الله قد وسعت الأمين في دنياه من باب آخر فلم تذكر لنا صفحات التاريخ أن فقيها أفتى بحل قتله ، أو حرمة ما أتاه ، أو إفك ما فعله ، غاية ما في الأمر أنهم قالوا عنه شعراً بعد وفاته ، ربما بعد تيقنهم من سيرة المأمون المختلفة ، وإتيانه للأمور من قبل ، واهتمامه بشئون الحكم وعمارة البلدان ، وليس بالخمر والغناء والغلمان ، فقالوا في الأمين غداة وفاته :

لم نبكيك ؟ لماذا ؟ للطرب يا أبا موسى وترويج اللعب

ولترك الخمس في أوقاتها حرصا منك على ماء العنب

وشنيف أنا لا أبكي له وعلى كوثر لا أخشى العطب

لم تكن تصلح للملك ولم تعطك الطاعة بالملك العرب

وهكذا ، أدرك الشعراء فقط بعد موت الأمين ، أنه لم يكن يصلح ، وتنادوا بأنه لم يبايع بالطاعة من العرب ، على خلاف الحقيقة ، وتذكروا أنه كان يترك الصلوات الخمس ، وكان متفرغاً للطرب ولماء العنب ، وليس هذا بغريب علينا ، فحتى في عصرنا هذا لا يتذكر البعض مثالب الحكام إلا بعد وفاتهم ، واستقرار الحكم لمن يليهم ، ولعل القارئ يشاركني في أن حكامنا أرحم ، فليس بين مستشاريهم كوثر أو شنيف ، أو مهج أو وصيف ، وليس في أقوالهم وصل للغلمان ، أو وصف لبنت الحان ، وليس في علاقتهم بوزرائهم والمشيرين عليهم ما شاب علاقة الخلفاء العباسيين بوزرائهم ومستشاريهم ، ومعذرة لهذا القاموس الكريه ، فإناء الخلافة ينضح على أوراقنا بما فيه ، بل إن شئنا الدقة إناء العصر ، ويكفينا أن نذكر أن الأمين كان متبعاً ولم يكن مبتدعاً .

" فأبو حيان التوحيدي يحدثنا أنه كان في بغداد خمسة وتسعون غلاماً جميلاً يغنون للناس ، وأنه كان صاحب صبي موصلي مغن ، ملأ الدنيا عيارة وخسارة ، وافتضح أصحاب النسك والوقار ، وأصناف الناس من الصغار والكبار ، بوجهه الحسن ، وثغره المبتسم ، وحديثه الساحر ، وطرفه الفاتر ، وقده المديد ، ولفظه الحلو ، ودله الخلوب .. يسرقك منك ، ويردك عليك .. فله حالات ، وهدايته ضلالات ، وهو فتنة الحاضر والبادي " .

كما يحدثنا عن علوان غلام ابن عرس ، فإنه إذا حضر وألقى إزاره ، وحل أزراره ، وقال لأهل المجلس : اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم ، بل عبدكم لأخدمكم بغنائي ، وأتقرب إليكم بولائي ،... لا يبقى أحد من الجماعة إلا وينبض عرقه ، ويهش فؤاده ، ويذكو طبعه ، ويفكه قلبه ، ويتحرك ساكنه ، ويتدغدغ روحه الخ "

وتفننوا في أسماء الغلمان بما يدل على مقصدهم، فسموا بـ " فاتن " و" رائق " و " نسيم " و " وصيف " و " ريحان " و " جميلة " ، ( هكذا بأداة التأنيث ) ، و " بشرى " ( ظهر الإسلام – أحمد أمين الجزء الأول – ص132 نقلاً عن الامتناع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي )

أحسب أن ما سبق يغني عن التعليق ، بل لعله يغري بالتعليق ، ولو لم نوثـقه لعجز الكثيرون عن التصديق فهذا غلام اسمه ( جميلة ) ، وذاك غلام اسمه ( فاتن ) ، وهذا يلقي إزاره ، وذاك يحل أزراره ، وأصحاب النسك والوقار يفتضحون ، وينبض عرقهم ، ويتحرك ساكنهم ، وهو يداعب شذوذهم ، فيناديهم يا أسيادي ، أنا عبدكم وولدكم ، وكلما زاد في مداعبته زاد نبض عروقهم ، وزاد تحرك ساكنهم ، لهذا الذي حاله حالات ، وهدايته ضلالات ، ولا حول ولا قوة إلا بالله القادر على كل شيء ، ولعل من المستحسن هنا أن نذكر أن الأمين وغيره من الخلفاء ، فعلوا ما فعلوا بتشجيع الفقهاء ، الذين أنزلوهم منازل من يستخلفهم الله في أرضه ، ويجعل لهم نوراً يضيء ويبين لهم ( لاحظ أن الذي يبين لهم هو الله جل جلاله ) ما يشتبه عليهم ، ومثل هذا الخليفة الذي ينير الله له طريقه ، ويوحي إليه بالحق ويرشده سواء السبيل ، يصعب على فرد من الرعية أن يذكر شيئاً مما سبق عنه ، أو يصدق شيئاً مما سبق منقولاً عن الرواة ، أو يستمع إلى شيء مما سبق دون أن يستغفر الله ، نافياً أنه جل شأنه يهدي خليفته إلى شيء من هذا أو بعض من ذاك ، فالله أجل وأعز ، والخليفة أعلى وأرفع ، ومن يا ترى يتصدر لرفع الخلفاء إلى موضع ( من لا يسأل عما يفعل ) ( العبارة بين القوسين مقصودة ، ولعل البعض يتذكرها تحت قبة مجلس الشعب المصري منذ سنوات . )

المفزع أن من يتصدر لذلك دائماً أعلى الفقهاء شأناً ، وأكثرهم علماً وأفقههم في الدين ، فقد ذكر ( أبو يوسف ) أشهر تلاميذ أبي حنيفة وأنبغهم وفقيه عصره بلا مراء ، في مقدمة كتابه الشهير ( الخراج ) موجهاً حديثه إلى الرشيد ( أن الله بمنه وعفوه جعل ولاة الأمراء خلفاء في أرضه ، وجعل لهم نوراً يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم ، ويبين ما اشتبه من الحقوق عليهم ) ( مقدمة كتاب الخراج – أبو سيف.)

وهي عبارات تذكرنا بالمثل الشعبي السائر ، ( يا فرعون من فرعنك ) ، وهي عبارات نهديها لمن يردون علينا بأن من سبق من الخلفاء ، إنما خرجوا على الدين ، وبالتالي فلا علاقة بين ما فعلوه وبين الدين أو الحكم بالدين ، فلعلهم يدركون الآن أن من خرج على الدين إنما خرج بفتوى رجال الدين ، وأن وطد الأمر إنما كان الحكم بالدين .

هنا أتوقف مضطراً تحسباً من الملل وتخوفاً من الإطالة ، بل لعلي أطلت بالفعل ولسبب آخر هو أن استطرادي بعد ذلك في حديث الخلفاء في العصر العباسي الثاني سوف يستنكره الكثيرون ، لأنه حديث خلفاء إمعات ، لا يملكون من أمرهم شيئاً ، وقد يفسره البعض بأنه تصيد للأخطاء أو اصطياد في الماء العكر ، وهو ما ليس في طبعنا أو من طبيعتنا ، ويكفي أن ثلاثة منهم ، خلعوا وسلمت أعينهم وعاصروا بعضهم البعض ، ( وهم القاهر والتقي والمستكفي ) .

ووصل الأمر أن شوهد أحدهم ( القاهر ) وهو يشحذ على باب أحد المساجد ، مسمول العينين ، منادياً : ( تصدقوا علي فأنا من عرفتم ) ، وهو نفسه من ( أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنين ، ونفى المخانيث ، وكسر آلات اللهو وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سوادج ، وكان مع ذلك لا يصحو من السكر ، ولا يفتر عن سماع الغناء ) ( تاريخ الخلفاء للسيوطي ص387 ) .

ومن أطرف ما حدث لأحدهم ( الطائع ) أن وزيره بهاء الدولة دخل عليه ، وقبل الأرض بين يديه ، فمد الطائع يده إليه مسلماً فجذبه من على كرسي الخلافة وأعلن خلعه ، ومع أمثال هؤلاء لا يجدي الحديث ، وإنما يجدي البكاء ، ويحمد الله على البلاء .

وأخيراً ، وبعد ما سبق كله ، وعلى الرغم مما سبق كله ومع علم بعضهم به ، ولجهل البعض الآخر بأمره ، يتنادون بالخلافة !!

* * * * * *

ونوجز ما توصلنا إليه من نتائج فيما يلي :

أولاً :

أن الخلافة التي نعتوها بالإسلامية هي في حقيقتها خلافة عربية قرشية ، وأنها لم تحمل من الإسلام إلا الاسم ، وأن دعوى إحيائها من جديد تبدو أكثر تناسقاً مع منهج القومية العربية والدعوة للوحدة بين أقطار العرب ، منها إلى الدعوة لدولة دينية إسلامية ، وبهذا المنطق نقلبها على أساس كونها دعوة سياسية بحتة ، إن استهدفت التوحد فعلى أساس المصلحة ، وإن توجهت للتكامل فعلى أسس حضارية عقلانية ، وإن استلهمت التاريخ فعلى أساس وطيد من ( الجغرافيا ) .

ثانياً :

أن الإسلام دين لا دولة ، وعلى المحتج علينا بالعكس ، أن يرد علينا بحجة التاريخ ، وليس أقوى من التاريخ حجة ، أو أن يعرض علينا منهجه في إقامة الدولة على أساس الإسلام ، وليس أقوى من تهافت ما قدم إلينا حتى الآن من أفكار حجة على المدعين أن الإسلام دين ودولة ، ومصحف وسيف ، ليس هذا فحسب بل أننا نعتقد أن الدولة كانت عبئاً على الإسلام ، وانتفاضاً منه وليست إضافة إليه ، ولسنا في حاجة بعد الصفحات السابقة إلى دليل .

ثالثاً :

إن الفرق بين الإنسان والحيوان ، أن الأول يتعلم من تجاربه ، ويختزنها مكوناً ما نعرفه باسم ( الثقافة ) ويبدو أن المنادين بعودة الخلافة يسيئون بنا الظن كثيراً ، حين يدعوننا إلى أن نجرب من جديد ما جربناه من قبل ، وكأن تجربة ثلاثة عشر قرناً لا تشفع ، أو كأنه يفزعهم أن تسير على قدمين ، فيطالبونا بالسير على أربع .

رابعاً :

إن الثابت لدينا من قراءتنا للتاريخ الإسلامي أننا نعيش مجتمعاً أرقى بكل المقاييس ، وعلى رأسها مقاييس الأخلاق ، وهو مجتمع أكثر تقدماً وإنسانية فيما يختص بالعلاقة بين الحاكم والرعية ، وأننا مدينون في ذلك كله للثقافة الإنسانية التي لا يرفضها جوهر الدين ، ولحقوق الإنسان التي لا تتناقض مع حقوق الإسلام .

خامساً :

إن التاريخ يكرر نفسه وكأنه لا جديد ، غير أننا لا نستوعب دروسه ، ونركز في دراستنا له على أضعف جوانبه ، وهو جانب الفكر الديني ، ونحن في دعوتنا لدراسة التاريخ والاستفادة من دروسه ، لا نكرر خطأ المتطرفين حين يدعوننا إلى منهج النسخ الكربوني وإنما ندعو إلى ترجمة حوادث التاريخ بمصطلحات الحاضر ، وإلى الاستفادة من دروسه بأسلوب العصر، ولكي نؤكد للقارئ أن التاريخ يعيد نفسه، ندعوه إلى قراءة ما ذكره ابن الأثير تحت عنوان ( ذكر فتنة الحنابلة ببغداد ) حيث قال ( الكامل في التاريخ – ابن الأثير – الجزء السادس ص248)

( وفيها – يقصد سنة 323هـ في خلافة الراضي – عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة ، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه ، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء ، واعترضوا في البيع والشراء ، ومشى الرجال مع النساء والصبيان ، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو ؟ فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة فأرهجوا بغداد ) .

ولنا أن نسأل القارئ : ماذا لو استبدلنا بغداد بأسيوط ، والحنابلة بالجماعات الإسلامية ، وعام 323هـ بعام 1986 ، ثم قرأناه من جديد ؟ ، غير أن ذلك كله كان في خلافة الراضي ، حين اهتزت هيبة الحكم ، وعجز عن استخدام أدواته ، التي كانت نطعاً وسيفاً في عصره . بينما أدواتنا اليوم هي الدستور والقانون والديمقراطية الكاملة ، وهي أدوات لا يعيبها إلا عدم الاستخدام في أغلب الأحيان .

سادساً :

إن تنامي الجماعات الإسلامية وتيارات التطرف السياسي الديني في مصر ، يعكس تأثير التربية والتعليم والإعلام في مجتمعاتنا ، حيث التفكير دائماً خاضع للتوجيه ، والمنهج دائماً أحادي التوجه والاتجاه ، والوجه الواحد من الحقيقة هو الحقيقة كلها ، وما سبق عرضه في هذا الكتاب لا يزيد عن محاولة لعرض الحقيقة المتكاملة ، الأمر الذي يدعو إلى التفكير ، وهو أمر جد مختلف عما يدفع إليه المنهج السائد إعلامياً ، والذي لا يعرض من الحقيقة إلا الجانب المضيء ، ولا يعلن من الآراء إلا رأياً واحداً ، ولا يدفع المواطنين إلا إلى اتجاه واحد ، وهو من خلال ذلك كله يهيء الوجدان لقبول التطرف ، ويغلق الأذهان أمام منطق الحوار.

سابعاً :

إن الإسلام على مفترق طرق ، وطريق منها أن نخوض جميعاً في حمامات الدم ، نتيجة للجهل وضيق الأفق وقبل ذلك كله نتيجة لانعدام الاجتهاد المستنير، وطريق آخر أن يلتقي العصر والإسلام ، وذلك هين يسير ، وسبيله الوحيد هو الاجتهاد المستنير ، والقياس الشجاع ، والأفق المتنور ، ولست أشك في أن البديل الثاني هو الوحيد ، وهو الذي سيسود رحمة من الله بعباده ، وحفظاً منه لعقيدته ، غير أن أخشى ما أخشاه أن يطول الانتظار ، وأن يحجم الأخيار ، وأن يجبن القادرون ، وأن ينجح المزايدون في دفع العجلة إلى الوراء ، ولو إلى حين ، لأن المجتمع كله سوف يدفع ثمن ذلك ، وسوف يكون الثمن غالياً .

ثامناً :

إن ما عرضناه من تفاصيل وما ناقشناه من وقائع لم يكن هو القصد ، بل كان قصدنا أن نعرض منهجاً للتفكير ، يسمح باستخدام العقل في التحليل ، والنطق في استخلاص النتائج ، والشجاعة في عرض الحقيقة دون زيادة أو نقصان ، ولا نحسب أننا في هذا مبتدعون بل نحن متبعون لما أملاه علينا إخلاصنا للعقيدة وولاؤنا للوطن ، وانتماؤنا للمستقبل .




وماذا بعد ؟!!

ما على القارئ بأس لو انزعج ، فالانزعاج للحق مكرمة ، وأن تنزعج للحق فهذا أفضل كثيراً من أن تنبهر بالباطل ، وجزء من هذا الانزعاج مرجعه إلى ما ذكرناه في بداية الحديث ، وهو أن النفس تهوى أن تقرأ ما تحب أن يكتب لها ، وتتعشق أن تسمع ما تهوى أن يقال لها ، بصرف النظر عن موقعه من الحق أو موقفه من الحقيقة ، أما الحق فهوى أن الإسلام الدولة كان انتقاضاً من الإسلام الدين ، وعبئاً عليه ، لأن الإسلام كما شاء له الله دين وعقيدة ، وليس حكماً وسيفاً وأما الحقيقة فهي أن البشر هم البشر في كل العصور ، يستوي في ذلك عصر الراشدين أو الأمويين أو العباسيين أو عصرنا الحديث ، وأن الحديث عن جنة الأرض هراء لا قيمة له ، وغثاء لا نفع فيه ، وباطل لا جدوى منه .

ولعل القارئ قد أدرك في ثنايا الحديث ، أننا في حديث التاريخ قد توجهنا للحاضر ، واستلهمنا المستقبل ، وأننا في توجهنا لهذا واستلهامنا لذاك قد أرهقنا أنفسنا كثيراً بالتوقف أمام ما نفزع له ، وبتحليل ما نجزع منه ، ولست أدري هل يصدقني القارئ أم لا ، إذا ذكرت له أنني منعت نفسي كثيراً من الخوض في بعض الأحداث ، تجنباً لفحش في القول أو مبالغة في المجون .

ولعلي نجحت في أن أوازن بين وجهي الصورة ، التي نقلوها لنا حلماً فأنزلناه في رفق إلى أرض الواقع ، فإذا به واقع مر ، قليلاً ما يسر ، وكثيراً ما يفجع ، ولست أدري هل أصبت أم أخطأت ، وهل كان على أن أفعل ما يفعله الكثيرون ، حين يتجاهلون ما يقرب من ألف عام من حكم الأمويين والعباسيين ، لكي يتوقفوا أمام عامين لا أكثر ، هما فترة حكم عمر بن عبد العزيز ، وحين يختارون من فترة الراشدين ما يدير الرؤوس وما يدفع الشباب الغض إلى محاولة تحطيم المجتمع ، طامعاً في أن يعيد أيامهم ، ويـبنى على منوالهم ، بينما لو تأملنا فترة حكمهم الكاملة لتمهلنا كثيراً ، وتحسبنا كثيراً ، وربما حمدنا الله على ما نحن فيه ، ليس هجوماً عليهم – معاذ الله – فهم في أعلى عليين كصحابة أجلاء ، وفقهاء دين عظماء ، لكنا نتناولهم من زاوية آخرى هي زاوية السياسة ، ونقيهم بميزان آخر هو ميزان الحكم ، وهم من هذه الزاوية ، وبهذا الميزان ، بشر يجوز عليهم ما يجوز علينا من نقد ، ويتعرضون لما نتعرض لهم من أخطاء ، وحسب القارئ أن يتأمل معنا فترة حكمهم ، ويتعجب وهو يرى ثلاثين عاماً ، يتعاقب فيها أربعة خلفاء ، يموت ثلاثة منهم بحد السيف أو الخنجر ، واحد على يد غلام المجوسي وهو أمر يفجع ، وواحد على يد الرعية وهو أمر يفجع ويفزع ، وواحد على يد مسلم متطرف وهو أمر يفزع ، ويقضي الخليفة الأخير فترة حكمه كلها ساعياً إلى التمكن من الحكم سدي ، وإلى فرض ولايته على الدولة الإسلامية كلها دون جدوى ، وينهي به الأمر محصوراً في الكوفة داعياً الله أن يبدله خيراً من قومه ، وأن يبدل قومه أسوأ منه .

ثم لعلنا ننزعج ونحن نكشف أن الفترة على قصرها قد حفلت بالحروب الأهلية الكبرى ، فقد بدأت بها ، وانتهت بها ، بدأت بحروب الردة في عهد أبي بكر ، وانقضت سنواتها الخمس الأخيرة في سلسلة من الحروب الأهلية أولها حرب الجمل بين كبار الصحابة ، ثم حرب صفين بين على ومعاوية ، ثم حرب النهروان بين على والخوارج عليه ، ثم سلسلة متصلة من الحروب الصغيرة بين جيوش علي وجيوش الخوارج ، وحسبنا أيضاً أنها بدأت مقبلة على الدين من الخليفة ومن الرعية ، وانتهت مقبلة عليه من الخليفة ، مدبرة عنه من الرعية بقدر إقبالها على الدنيا ، دليلنا على ذلك ما ذكرناه من ثروات ، وما رصدناه من اقتراب حثيث من معاوية ، وابتعاد حثيث عن علي ، وإذا كان البعض في البداية قد قارن بين الطعام الشهي على مائدة معاوية ، والحق الجلي على لسان علي ، فإن النهاية كان انتصاراً لا شك فيه للطعام الشهي ، واندحاراً لا شبهة فيه للحق الجلي ، وما هكذا كان الإسلام الدين أو يكون ، لكنه هكذا كانت الدولة الإسلامية وهكذا تكون ، شأنها شأن أي دولة دينية على مدى التاريخ الإنساني كله ، لا يغرنك فيها عذب الحديث في البدء ، فالعبرة بالخواتيم ، وقد كانت الخواتيم مرة دائما ، وأمر منها أن لا نستوعب درسها ، وأن لا نستفيد من تجربتها .

وأن يدعو البعض إلى تكرارها في بلاهة يحسدون عليها ، وكأنه مطلوب منا أن نقرأ التاريخ لكي نعيد أخطاءه .

وإذا كنا نتحدث هكذا عن عهد الراشدين ، فكيف يكون الحال على يد المعاصرين ، الذين لم نعرف الإرهاب إلا على أيديهم ، ولم يعرف مجتمعنا الآمن حوادث الاغتيال السياسي إلا على يد فرسانهم المغاوبر ، ولم ترق دماء الأبرياء إلا على يد مجاهديهم الأوشاس ، وحتى في انتخابات الاتحادات الطلابية الأخيرة ، لم يفتهم أن يرفعوا شعاراً غريباً يعكس أسلوب تفكيرهم ، وهو " صوتك دانة " وكأنهم لم يميزوا بعد بين الديانة والدانة ولم يعرفوا من الإسلام إلا العنف والإدانة ، ولم يروا فيه ما رأيناه من وجوه كلها سماحة ونور ورحمة.

وربما تصور القارئ في بعض أجزاء الكتاب أنني أحرض الدولة على المتطرفين وأدفعها إلى مواجهتهم ، ولعلي أصحح له ، فالمقصود ليس مواجهة التطرف في الفكر ، وإنما المقصود هو مواجهة العنف ، ومقاومة الإرهاب ، ولعل أحداً يدلني على كيفية مقاومة العنف بالقبلات ، ومواجهة السيف بالأحضان ، واستقبال القنابل بالكلمات الدافئة ، ولعل المنكرين على ما يرونه تشدداً ، ينظرون حولهم إلى أعرق دول العالم في الممارسة الديمقراطية ، ليشاهدوا كيف يواجه العنف في أيرلندا ، وكيف تواجه إيطاليا إرهاب الألوية الحمراء ، وكيف تواجه ألمانيا الغربية البادر ما ينهوف .

وكيف لم يتوقف أحد لكي يحلل دوافعهم أو يبرر أفعالهم كما يفعل البعض هنا ، عن تصور يكون هكذا الموقف الصحيح ، طالما أن الإرهابيين أعداء لخصمه اللدود : الدولة ، بينما لو فكر قليلاً ، لأدرك أن المستهدف ليس الدولة ، بل النظام الذي نحن جميعاً جزء منه ، والأمان الذي نسعى جميعاً إلى تحقيقه وصونه ، والشريعة التي هي الموئل والملاذ ، ولو كان صبية الجهاد أو أمراءهم أهل حديث لنصحت بحوارهم ، ولو كانوا أهل رحمة لنصحت بمجادلتهم بالحسنى ، ولو كانوا أهل نكير لدعوت إلى مقارعتهم بالحجة ، لكنهم تجاوزوا النكير إلى التفكير ، وتجاوزوا القول إلى القتل ، وتجاوزوا المنطق إلى حل الدم ، وهنا لا مفر من إكمال مسيرة الديموقراطية ، حتى لا يحتجوا علينا بضيق الساحة ، ولا مفر من الرد على دعواهم بالمنطق حتى نجتذب منهم من بقي في قلبه مساحة للسماحة ، ولا مفر من إعمال نصوص القانون لردع العنف وعزل أصحابه عن حركة المجتمع ومساره ، وفرزهم بعيداً عن المعتدلين في التيار الإسلامي السياسي ، وفيهم أساتذة أجلاء وعلماء أفاضل ، ومحاورون قادرون ، وأهل علم وفقه ، ورجال سماحة وفضل ، وهم وإن اختلفوا معنا يدعون لنا بالهداية ، وندعو لهم بالمثل ، دون أن يكفرونا ودون أن يفقدوا من احترامنا ذرة ...

هم يؤمنون بالإسلام ديناً ودولة ، وهذا حقهم ، ونحن نراه ونؤمن به ديناً فحسب وهذا حقنا ، وبعضهم يؤمن بالعمل السياسي ، ومن حق هذا البعض علينا أن نسانده في دعواه ، وأن نرفع عقيرتنا بأعلى صوت مطالبين له بمنبر الرأي ، وهم في النهاية معنا في خندق واحد ، لأن موقف الإرهابيين منهم أشد ، ونذيرهم لهم أعنف ، ونكيرهم عليهم أقسى ، وحكمهم عليهم أسوأ ، ولو صدقت النوايا لوصلنا معه إلى كلمة سواء ، ولتقابلنا في منتصف الطريق ، هم بالاجتهاد المستنير ، وبرؤية العصر ومعايشته ، وبقبول متغيراته ، وبتقدير ظروفه ، وبالتأسي بعمر في اجتهاده ، وبالإيمان بالوحدة الوطنية ، وبالإنصاف لقوانيننا الحالية ، ونحن بإدراك أن الديمقراطية تسعنا وتسعهم ، وأن المستقبل لنا دون إنكار لهم أو عليهم ، وأن مصر أغلى من المزايدة عليها بالقشور لا الجوهر ، والمظاهر لا المضامين ، وأن الإسلام الصحيح هو التقدم ، وهو مصلحة المجتمع ، وهو الحاق بالحضارة ، وهو تحصيل العلم ، وأن المساحة الخصوصية في قضية الدين أوسع وأرحب ، وأن فرض الرأي على الآخرين لا يجوز ، وأن التشريع للبشر ، أما مبادئ التشريع وأصول العقيدة فهي لله ، وأن الإسلام يعني بالغايات قبل الوسائل .

وأن العصر الأول للإسلام لن يأتي إلينا ، وأننا لن نعود إليه ، فكلا الأمرين مستحيل ، وأن التفكير يسبق التكفير ، والعقل يسبق النقل ، والسماحة تسع الجميع ، وأن الحساب آت لا محالة ، في الآخرة وليس في الدنيا وأن الإسلام لا يعرف الكهنوت ، ولا يعرف رجال الدين ، ولا يعطي قدسية لأحد ، ولا يمنح عصمة لأحد ، ولا يمنع النقد عن أحد ، فلا عصمة لأحد غير الرسول ، ولا قدسية لأحد غيره ، وأنه ليس في الإسلام أزياء ، وليس له ألقاب ، وليس لأحد كائناً من كان أن يدعي أنه حامي حمى الإسلام ، فكلنا مسلمون ، وكلنا حماة الإسلام ، وكلنا أيضا حماة الوطن ، كل الوطن ، وكلنا عشاق لها ، وكلنا مناضلون من أجله ، أرضاً وسماء ، مسلمين وأقباطاً ، لسنا فاتحين وليسوا أسارى حرب ، نحن جميعاً مواطنون ، لسنا أغلبية وليسوا أقلية ، نحن جميعاً مصريون ، لسنا حكاماً وليسوا محكومين ، نحن جميعاً حاكمون محكومون ، وكلنا عشاق لهذه الأرض ، وكلنا مدافعون عنها ، وقبل ذلك كله مدافعون عن وحدة الصف وتلاحم الصفوف .

أعلم أن الحديث قد طال ، وأخشى أن يكون قد تشعبن ولعلي أوجز العرض والقصد في الرفض الكامل لخلط أوراق السياسة بالدين ، وفي التأكيد على الفصل بينهما ، حجتي في ذلك ما يلي :

أولاً : أن البينة على من ادعى ، وإذا كنا ندعو للفصل فحجتنا جلية فيما هو قائم ، أما دعاة الوصل فعليهم أن يوضحوا لنا كيف يكون ، ولا مناص عن صياغة برنامج سياسي كامل ، وهو في تقديرنا أمر عسير عليهم ، وإن كان يسيراً علينا أن ندرك الأسباب ، وقد عرضناه بالتفصيل في الكتاب .

ثانيا :

إننا نقبل في منطق الصواب والخطأ في الحوار السياسي ، لأن قضاياه خلافية ، يبدو فيها الحق نسبياً ، والباطل نسبياً أيضاً ، ونرفض أن يدار الحوار السياسي على أساس الحلال والحرام ، حيث الحق مطلق والباطل مطلق أيضاً ، وحيث تبعة الخلاف في الرأي قاسية لكونه كفراً ، وتبعة الاتفاق والمتابعة قاسية أيضاً لمجرد كونها في رأي أصحابها حلالاً ، حتى وإن خالفت المنطق ، بل حتى وإن خالفت الحلال ذاته ، ولم تكن أكثر من اجتهاد غير صائب تسانده سلطة الحاكم باسم الدين ، ويؤازره سلطان العقيدة في ساحة غير ساحتها بالقطع ، ولعل ممارسة النميري في السودان لا زالت في الأذهان ، ولعل مباركة علمائنا الأفاضل لما فعله النميري وقت أن كان في السلطة لا زالت في الوجدان ، ولعل نقدهم المرير له ونكيرهم اللاذع عليه بعد أن ترك السلطة واضح للجميع ولعلنا نتساءل دون أن نغضب أحداً ، هل هو الخداع فلا نقبل منهم قولاً ، أم هي الغفلة فلا نقبل منهم ريادة ؟

أم هو الخطأ – وكل ابن آدم خطاء فندعو لهم بالمغفرة ؟ وقريب من هذا موقفهم من الرئيس السابق في مبادرة السلام حين رفعه بعضهم إلى أعلى عليين بالقرآن والسنة ، وهبط به بعضهم إلى أسفل سافلين بالقرآن والسنة ، وركونا حيارى ، بل إن شئت الدقة أسارى، لعلامات التعجب والاستفهام ، ومالنا نذهب بعيداً وأمامنا الآن حوار دائر بين فريقين منهم ، بشأن كافراً وبعضهم يراه قديساً ، بينما نحن الرعية – الحيارى – الأسارى – نضرب كفاً بكف ونحن نتابع حواراً لا يدور بين رأي ورأي أو بين صواب وخطأ ، بل بين كفر وإيمان ، وهو ما نرفضه دون أن يؤثر هذا على ما في وجداننا من عقيدة ، وما في قلوبنا من إيمان .

ثالثا :

إن وقائع التاريخ التي سردناها في الكتاب ، تنهض دليلاً دامغاً على ضرورة الفصل ، وعلى خطورة الوصل ، وعلى سذاجة المتنادين بعودة الخلافة .

رابعاً :

إذا تجاوزنا وقائع التاريخ وانتقلنا إلى ممارسات نظم قائمة ترفع شعار الإسلام ، وتتبنى مفهوم الحكم به ، فإننا نرى أنها جميعاً حجة في صالح الفصل ، ودليل جديد على خطورة الوصل ، وكم نتمنى أن يحتج بها البعض حتى نلزمه حجته ، غير أنا نحسب أن أحداً لن يفعل ، لما نعلم ويعلم .

خامسا :

يبقى السبب الأخير والأهم ، وهو أن الفصل هو السبيل الوحيد للحفاظ على الوحدة الوطنية ، وأن الوصل هو السبيل الأكيد لهدم صرحها العتيد ، لا يغني عن ذلك التشدق بمقتطفات من التاريخ تؤكد على السماحة والتسامح في معاملة أهل الذمة ، فقد ضربنا صفحا عن أضعافها مما يؤكد العكس ، وتقشعر له الأبدان ، ونحن نؤمن بأن الإسلام قد بلغ الذروة في التسامح مع أهل الكتاب ، بل ومع الكافرين ، لكن القرآن لا يفسر نفسه بنفسه ، والإسلام لا يطبق نفسه بنفسه ، وإنما يتم ذلك من خلال المسلمين ، وما أسوأ ما فعل المسلمون بالإسلام ، ولسنا في حاجة إلى نكأ الجراح أو إثارة النعرات أو تفجير الخلافات ، يقدر ما نحن في حاجة إلى تأكيد الإيجابيات ولم الشمل وتماسك الصفوف .

يا إلهي ...

كم تردى المناخ وكم نحن في حاجة إلى عودته من جديد كما كان ، أحكي لكم ، واسمحوا لي ، عن قصة لا أتذكرها إلا ويطفر الدمع ، ويهتز الوجدان ، وهي قصة حدثت منذ سنوات قريبة ، يوم تشييع جنازة عريان سعد ، وعريان سعد قبطي مصري ، تطوع لقتل يوسف وهبة رئيس وزراء مصر ، القبطي الديانة ، والذي قبل رئاسة الوزارة في مصر حين امتنع الوطنيون ، حتى لا يكون القتل على يد مسلم فتثور الفتنة ، وقد نجا يوسف وهبة ، وسجن عريان سعد ، وعندما دق ناقوس الكنيسة لحظة تشييع جثمانه ، تصادف أن علا صوت مئذنة مجاورة بالآذان ، وهنا .. أجهش الجميع بالبكاء .. وشعر الجميع أنه هكذا يكون وداع عريان ..

لنا أن نبكي معهم بكاء الرجل العظيم ، على رمز عظيم شيعناه ، وتراث عظيم أضعناه ، وتاريخ عظيم نسيناه ..

أقسم لك يا عريان ، أن الآذان والناقوس سوف يتعانقان على هذه الأرض دائماً ، فالكل عابد الله ، عاشق للوطن ، وسوف تبقى مصر يا عريان ، شامخة كما أردت وكما نريد ، منيعة على الفرقة ، مستعصية على الفتنة ، مستحيلة الانقسام ..

ويا عقلاء مصر ...

هل نلتقي سويا على كلمة سواء ؟

No comments: